اعتماد الحساب الفلكي في تحديد الأشهر القمرية
الجزء ١ · صفحة ٣٢وانتصر محمد أبو زهرة لهذا القول فذكر في كتابه زهرة التفسير: "ونقول في هذه القضية: بعد أن كانت الأرصاد وهي تخترق الغمة فيرى الهلال من ورائها، يجوز الاعتماد عليها عند الغمة، وتكون هذه رؤية، ويكون الصوم لرؤيته والإفطار لرؤيته (1)، ويقول القاضي مسعود الراشدي: "الاستعانة بالحساب الفلكي هو الحل الأنسب للوصول إلى صحة رصد الأهلة، وهو الأقرب إلى توحيد صوم المسلمين في الأقطار المتقاربة المطالع"
. (2)
المطلب الأول: الأدلة النقلية لمذهب القائلين بالاعتماد على الحساب الفلكي مطلقًا ومناقشتها اعتمد الفقهاء القائلون بهذا الرأي على أدلة عدة من المنقول والمعقول نورد بعضها مع مناقشتها الدليل الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) (3).
بذلك " (4)
ذكر محمد أبو زهرة في تفسيره لهذا الحديث: أن رأي الجمهور الوقوف عند النص من هذا الحديث، وإن الشريعة نزلت ابتداء لقوم أميين لا يعرفون حساب النجوم، فيكون على قدر ما يحسون ويرون، وجاء الحديث ويتضح أن الإمام محمد أبو زهرة قد نسب للجمهور وقوفًا عند النص في هذا الحديث وأن الشريعة في بدايتها كانت لعامة الناس الأميين بطبيعتهم آنذاك وبالتالي فهو يرى بأن العلوم بتطورها واختفاء أمية الأمة بدليل إتقان علم الفلك وعلماء الحساب فلابد من الأخذ بالحساب إذ إن كل زمان بصرفه.
وجه الاستدلال: ذكر الدكتور محمد بن صبيان الجهني في تفسيره لهذا الحديث أن الهدف منه هو: "أن يصوموا رمضان كله، ولا يضيعوا يومًا منه، أو يصوموا يوما من شهر غيره كشعبان أو شوال … " وأسهب قائلاً: "أن الرؤية ليست عبادة في ذاتها ولكنها الوسيلة الممكنة الميسورة إذ ذاك وذلك بسبب أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم والعرب بالحساب الفلكي" (5)، إذا فهو يرى بأن الحساب الفلكي مع تقدم هذا العلم أصبح الوسيلة الميسورة للأخذ بها في إثبات دخول الشهور القمرية مستندًا في هذا إلى أن الرؤية التي أوردها المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه لم تكن من باب التعبد بها وإنما من قبيل التيسير حسب الوسائل المتاحة في ذلك الزمن، ووافقه في ذلك الدكتور المعاصر يوسف القرضاوي في شرحه المفصل لهذا الحديث فقال: "إن الحديث الشريف
(1) أبو زهرة زهرة التفسير، دار الفكر العربي، ج 1، ص 559. (2) الراشدي الأهلة واختلاف المطالع والحساب الفلكي، ص 28.
(3) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب: "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، ج 3، ص 27، حديث رقم 1909.
(4) أبو زهرة، محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد زهرة التفسير، ج 1، ص 558. (بتصرف)
(5) الجهني، الحساب الفلكي بين القطعية والاضطراب ص 2، (نسخة إلكترونية).
29
29