اعتماد الحساب الفلكي في تحديد الأشهر القمرية
الجزء ١ · صفحة ٤٥حال
كما أن القائلين بهذا القول قد استندوا على حديث عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) (1) باعتبار أن الشرع حصر طرق ثبوت دخول الشهر بالرؤية أو إكمال العدة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا) (2) باعتبار أن الشهر إما تسعة وعشرون ليلة برؤية الهلال أو ثلاثون ليلة بالإكمال، ولا نرى أن هذا الاستدلال بهذا الدليل متصل بقولهم إلا من قبيل حجر الشرع في قالب التخيير؛ إذ أن الحديث الأول جاء خاليًا من الحصر الذي اعتبره القائلون بهذا القول فهو إلى جانب أنه مضيق لطرق الإثبات أيضًا فيه حجر لتطور التقنيات، إذ أن الرؤية إنما يعتريها الكثير من الخطأ والتدليس نظرًا لتلوث الأجواء وتعكر صفو الفلك وضعف الذمم البشرية كما أن الحديث الثاني إنما هو من قبيل التعبير عن الأمة في ذلك الزمن وكل زمان بحاله فزمن اليوم ليس كزمن الأمس من التطور التقني والانفجار المعلوماتي. بالإضافة إلى القول بأن الدليل الظني غير المضطرب مقدم على اليقيني المضطرب من ناحية غفران الخطأ كما أن القول بأن اخراج الأمة من الفوضى التي سببتها مشكلة اثبات الهلال لن يخرجها منها الاعتماد على الحساب وأن الشرع قد علق أحكام التعبدية الشهرية على الرؤية أو الإكمال لسهولة هذا الأمر؛ إنما ذلك مردود عليه بالواقع الملموس الذي أحدثته الطفرة التقنية في استعمال مختلف الوسائل والسبل في الحساب الفلكي فأصبح يقينيًا شأنه أقوى من الرؤية البصرية ذاتها كما أن هذه الوسائل أصبحت يسيرة وسهلة يمكن توحيد الأمة عليها والواقع خير برهان.
المطلب الثاني: رأي الباحث في أدلة القائلين بجواز الاعتماد على الحساب الفلكي مطلقًا: وأما القول باعتماد الحساب الفلكي في دخول الشهور القمرية وتحديد الأهلة فإنه أقرب للصواب وأيسر للبشرية في زمن التكنولوجيا والتطور، ولعل الدراسات الحديثة والواقع الملموس خير برهان على أن هذه الوسيلة أصدق من الوسيلة التقليدية المتمثلة في الرؤية البصرية للهلال لما يعتريها من أخطاء مقصودة إثر مصالح شخصية وأهداف دنيوية أو أخطاءٍ عَرَضيّة إثر تلوث الجو الأرضي أو وجود الغيوم عائقًا بين الهلال ورؤيته، وأن المنطق العقلي يقول بأن الرؤية عندما ذكرت في أدلة القائلين بغير هذا الرأي لم تكن متعبد بها إنما كانت من
(1) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي: إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا جـ 3، ص 27، حديث رقم 1907. (2) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي "لا" نكتب ولا نحسب"، ج 3، ص 27، رقم الحديث: 1913.
42