حق الجوار في الإسلام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

حق الجوار في الإسلام لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٨

وهذا الواقِع المُر الذي يَشكوه هنا كلُّنا نُعانِيه وكلُّنا مَرَرْنا به وكلُّنا يَشكُوه، فالجيرانُ الآن في المُدُن لا يَهمُّهم مِن أَمْرِ الجيرانِ شيءٌ .. الجارُ لا يَهمُّه مِن أَمْر جارِه شيء .. إنما يَعيشون على نَمَط الحياة الأوروبية، وأنا بنفسي مَرَّتْ عليّ فترة سكنتُ فيها في شُقَّة في عِمارَة تَتكوَّن هذه العمارة مِن سِتِّ شُقَق وما عَرفتُ أحدا مِن أولئك الجيران ما عدا جارا مقابِلا لِبابِ الشُّقَّة التي أَسكنُها وعندما أَردتُ أن أَذهَبَ إليه في يومِ عِيد لأزورَه وجَدته على غيْر وعي لأنه كان غارِقا في السكْر، فكيف يَتعامَل الإنسان مع هؤلاء الجيران ؟! هذه مُشكِلة، لأنّ الحياةَ الدنيا أَلهتهم والمادّة طَفَحَتْ وبَلَغَتْ إلى أَقصى الحدودِ التي يُمكِن أن تُتصوَّر فلذلك تَشَاغَلَ الناس عن هذه الحقوق ولم يَعْبَؤوا بها .. لو طَالبتَ جارا أن يَزورَكَ .. أن يَدخلَ بيتَكَ لِيَتناولَ شَرْبَةَ ماء أو يَتناول ما يَحضُر مِن الطعام لَوجدتَه مشغولا جِدا بِسببِ أنه يَلهثُ وراءَ هذه الدنيا بِكلِّ سِعَار، ولو أَردتَ أنتَ أن تَزورَه لم تَجِد عندَه الفُرصَة لاستقبالِك، فالمسألة في المُدُن عَويصَة جدا، وهي بِحاجَة إلى نَظْرَة، وبِحاجة إلى مُراجعةِ كلِّ أَحدٍ حسابَه حتى يَكونَ هنالِك بيْن الجيران تَعارفٌ على الأقَل، فإنّ التعارفَ هو الذي يُؤدِّي إلى التآلُف، ويُؤدِّي إلى التراحُم والتلاحُم، وإن لم يَكن تعارُف فماذا عسى أن يكون ؟! الجيرانُ مُنبَثُّون مِن أمامِنا ومِن خلفِنا وعن أَيْمانِنا وعن شَمائِلِنا ولا نَعرِفُ عنهم شيئا .. هذه هي مُشكِلة الحضارَة المُعاصِرة، وهذه هي الضريبة التي أَدَّيْناها لِهذه الحضارة .. كما يُقال: " لِكلِّ شيءٍ ضريبة "، وهذه هي ضريبةُ الحضارَة المُعاصِرة.

١٨ / ١٩