الإباضية الوهبية دراسة في النشأة والأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٦إن الإمام الرستمي عبدالرحمن بن رستم الأول كان عادلا مصلحا ساعيا إلى ازدهار الحياة العامة في أنحاء دولته، وكان كثير من غير الإباضية يتجهون إلى تاهرت عاصمة الدولة ويلقون فيها عصا الترحال ويعيشون آمنين على أنفسهم و أموالهم وأهليهم – وهذا أكبر دليل على سماحة الإباضية، وحبهم للتعايش مع المخالفين، وكراهتهم لتفرقة والتشرذم والتعصب بأنواعه –، وقد ذاعت أخبار عدل الإمام عبد الرحمن حتى وصلت إلى أسماع إباضية المشرق
، فقرروا تقديم العون له، حيث وبعثوا إليه مع نفر من ثقاتهم معونه، وقال بعضهم لبعض: قد ظهر بالمغرب إمام ملأه عدلا، وسوف يملك المشرق ويملأه عدلا فانهضوا إليه بما معكم من هذه الأموال حتى تردوا المدينة التي يسكنها، فإن كان ما نقل لنا من حسن طريقته وصحة سيرته فادفعوها إليه، وإن كان على غير ذلك فانظروا إلى أفعاله وما يتولاه من الأحكام بين الناس ثم ائتونا بذلك كله، فمضى القوم حتى أتوا المدينة ونزلوا المصلى الذى به اليوم بئر مسالة، فأناخوا جمالهم ووضعوا أحمالهم، وتقدموا مع القادمين معهم حتى دخلوا الباب المعروف بباب الصفا - أحد أبواب تاهرت- يسألون كل من لاقوه من الناس عن دار الإمام عبد الرحمن حتى وقفوا عليها، وأصابوا عند بابها غلاما يعجن طينا، ورجلا على السطح يصلح شقاقا فيه والغلام يناوله ما يصلح به، فسلموا على الغلام فرد السلام، ثم قالوا: هذه دار الإمام؟ فقال: نعم، فقالوا له: استأذن لنا منه وأعلمه أنا رسل إخوانه إليه من البصرة، فرفع الغلام رأسه الى سيده وقد علم أنه سمع كلامه فقال: قل للقوم يصبروا قليلا، ثم أقبل على ما كان عليه من إصلاح عمله حتى انقضى، والقوم ينظرون إليه وهم يشكون هل صاحبهم أم لا؟ حتى نزل عن سطحه إلى داره فغسل ما كان في يده من أثر الطين ثم توضأ وضوء الصلاة، فأذن للقوم فدخلوا عليه فوجدوا رجلا جالسا على حصير فوقه جلد وليس في بيته شيء سوى وسادته التي ينام عليها وسيفه ورمحه وفرس مربوطة في ناحية داره، فسلما عليه وأخبروه بأنهم رسل إخوانهم إليه فأمر غلامه بإحضار طعامه، فأتاه بمائدة عليها قرص سخنت وسمن وشيء من ملح، فأمر بتلك القرص فهشمت وأمر بالسمن فلثت به، ثم قال
هو
26