تحقيق رسالة الشيخ عامر بن سليمان بن محمد الريامي الإزكوي
الجزء ١ · صفحة ١٠٨ومِنْ خَطٍّ كَتَبْتُه للشيخةِ العالِمَة بنت مسعود بن سليمان بن سَرْحَة بن حَرْمَلَ العامريَّة السموأليَّة(1) / أذْكُرُ لَهَا انتقالي عن الوَطَن(2) إلى تَنُوفَ(3)، بعهد أهل الغَرْبِ من أرض نَجْدٍ(4)، بعدما أسَرُونِي ودخلوا بَيْتِي وأخذوا الكتب منه وأحرقوها(5)، ولَمْ يَحْمِنِي أحَدٌ منهم - أعني جَمَاعَتِي - ولَمْ يَرِقَّ
أحدٌ بِحَالِي، ولَمْ يذْكُروا مُراعاةَ(6) النَسَب.
الحمدُ لله الذي أجرى(7) أقلامَ أحكامِ مقدوراتِ الضروراتِ فأوْجَر(8)، على صحائفِ وَظائفِ ابتلائه لأوليائه وَقَدَّر، ابتلى آدمَ بتخنيسِ(9) تدليسِ إبليسَ في بُحْبُوحَة(10) روضة رضوان الله بَعْدَما أَنْذَرَ وحَذَّر، وقضى على نوح بأذاءِ قذاءِ أرذالِ أنذالِ أسفالِ من تَمَرَّد وتكبَّر، وعلى الخليل تبكيل تنكيل جنود نَمْرُودَ الجحودِ في ضرامٍ تتسعَّر، حتى شِيرَ(11) يَحْيَى، وسُبَّ عيسى،
(1) في الأصل: السمولية.
(2) يعني إزكي.
(3) تنوف: مِن أجمل مدن المنطقة الداخلية بعُمان، تقع على سفح الجبل الأخضر، وتتبع ولاية نزوى حاليًا.
(4) يشير إلى الوهَّابية، وكان أول زحفٍ لَهُم على عُمان سنة 1214هـ، أو 1222هـ كما في بعض المصادر، وعلى رأسهم مطلق بن محمد المطيري، وهو عاملٌ مِن قِبل سعود بن عبدالعزيز الوهَّابي أمير الدرعية، يقول الشيخ السالمي: «كان قدومه على عُمان عذابًا واصبًا وبلاءً وبيلاً، … ذكر الشيخ ناصر بن أبي نبهان أنه كان قد استحلَّ دماء المسلمين وشرَّكهم، ودعا الناس إلى مذهبه، قال: ومن لَمْ يدخل في مذهبه قَتَله وسبى نساءَه وذراريه وغنَمَ أمواله.
وذكر غيرُه أنه عامَلَ أهل القبلة بمعاملة أهل الشرك، فضرب عليهم الجزية وأخذ منهم الخراج، وتردَّد على عُمان ثلاث سنين يسير عنها ويرجع إليها، وأعدَّ لَهُ السلطانُ سعيد بن سلطان الرجالَ للقتال فما أغنوا شيئًا، وجاء لَهُ بالعَجَم والعرب فهزمهم بإزكي، وصار إلى مطرح ودخلها ونَهَبَهَا، وأدّى إليه السلطانُ الخراجَ ليدافعه عن البلاد حين لَمْ تُغْنِ الرجالُ شيئًا، وذلك لاختلاف كلمتهم فيما بينهم بزعمهم الباطل أن هذا غافري وهذا هناوي، واتخذ تُوَام – وهي البريمي – معقلاً، وبقيتْ فيها عُمّالُ أهل نجد حتى أزالَهُمُ اللهُ على يد الإمام عزان بن قيس - رضي الله عنه -»» ا. هـ. التحفة 2/ 206 - 207.
(5) هذا هو دَيْدَنُ أعداءِ الحق المفلسين من الحجة، يقول الشيخ أبو إسحاق أطفيش: «مِن أشنع الجرائم التي يرتكبها هؤلاء الظلمةُ ومَن على طريقهم حَرقُ كتب المسلمين، ففعلهم كفعل الروم الذين كلما تغلبوا على قطر من أقطار الإسلام بادروا إلى حرق الكتب، كما وقع في الأندلس وغيره، فكان هؤلاء شركاء أعداء الإسلام في الجريمة، فالتشنيع الذي يوجَّه إلى الأوروبيين الذين أحرقوا خزائن المسلمين يوجّه إلى هؤلاء بالأحرى، وهكذا وقع لَمَّا تغلَّب الفاطميون على الإمامة الرستمية، فإنهم أحرقوا من خزائن الكتب ونفائس العلم ما لَمْ يوجَدْ نظيرُه، وكفِعْلِ القرامطة لَمَّا تغلَّبوا على المسلمين،
فأنتَ ترى مِنْ هذه الحقائق التي سجّلها التاريخُ مَبْلَغَ الجرائم التي صَدَرَتْ من أعداء العلم والدين، فضيّعوا كنوزهما الثمينة، وفوَّتوا من أئمة التأليف كنوزاًَ لا تُقَدَّر بثمن مهما بلغ، وهذه سُنّة أعداء ((الحق كالمغوليين مع خزائن بغداد، ولله الحمد أن مَعين الإسلام لا ينضب، فمهما سعى أعداؤه إلى قَطْعِهِ تَفَجَّر من جديد، ولا غَرْوَ فإن الينبوع الأصلي في كفالة الله وحفظه».
انظر: النور السالمي؛ تحفة الأعيان 1/ 261 تعليق أبي إسحاق.
(6) كُتبتْ في الأصل بتاءٍ مفتوحة هكذا: مراعات.
(7) في الأصل: جَرَى.
(8) لم أهتد إلى معناها في هذا السياق.
(9) التخنيسُ: التأخير، وسُمِّي الشيطانُ خنَّاسًا لأنه يَغيبُ إذا ذُكِرَ الله - عز وجل -. القاموس/ 698.
(10) بُحْبُوحَة المَكَانِ: وسَطُه. القاموس/272.
(11) هكذا في الأصل، ولَمْ أَجِدْ لَهَا معنىً.