رسالة إلى الشيخة العالمة عائشة بنت مسعود بن سليمان العامرية السموألية عامر بن سليمان بن محمد الريامي أبو عثمان

تحقيق رسالة الشيخ عامر بن سليمان بن محمد الريامي الإزكوي

الجزء ١ · صفحة ٧٥

الحساب، لأنِّي اسْتَجَشْتُ قريْحَةً جامدة، وأَذْكَيْتُ مِزْنَادَ ذِهْنِي من ذكايةٍ خامدة، لَمَّا تلاطَمَ يَمُّ الْهَمِّ ببحبوحة قلبي، وتراكَمَتْ سحائبُ الْمَصَائب في سَمَاءِ كَرْبِي، وأوْمَضَتْ أبراقُ الاحتراق، في مُدْلَهِمَّات ظُلُمَاتِ الْمُلِمَّاتِ والشّقاق، فهَمَا مَاءُ سَمَاءٍ وابلُ الوَبَالِ بالبال، حتى طافَ ونافَ على شوامخ الجبال، فضَاق لَهُ صَدْري، وعَال به صبري … »(1).

* المرحلة الثانية: في تَنُوفَ:

بعد خروجه من إزكي توجَّه إلى تنوف - على سفح الجبل الأخضر - قاصداَ عشيرتَه بني ريام، فوَجَدَ فيها غِنَايَتَه ومُنَاه، ووجد فيهم النَّصيرَ والْمُعِينَ والْمُجِيرَ، فأقام بين ظَهْرانِيهِمْ مُعزَّزًا مُكرَّمًا، وكانت هذه الفترةُ من عمره فترةَ عطاءٍ وإنتاجٍ، إذ تفرَّغ فيها لتحصيل العلم واشتغلَ بنسخ الكتب، وتسنَّى لَهُ مُجَالَسَةُ علماء نَزْوَى وبُهلا والحمراء والاتصال بِهِمْ، وكَتَبَ خلالَهَا أغلبَ مؤلفاته وآثاره.

ويبدو أنه لَمْ يستقرَّ بتنوف بقيَّة حياته كلها، بدليل سُكنى أولاده وأحفاده حارةَ النَّزَار بإِزْكِي - كما سيأتِي في تراجِمِهِمْ - فلعلّه رَجَعَ إلى موطنه آخِرَ عُمُره، ولا أجد تاريْخًا مُحَدّدًا لذلك، إلا أنَّ الْمَصَادِرَ توكِّد بقاءَه في تنوف إلى سنة 1244هـ. وقد كان - مدَّةَ إقامته بِهَا - كثيرَ الْحَنِين إلى وطنه شديدَ التعلُّقِ به دائمَ التذكار لَهُ، يَظْهَرُ ذلك جَلِيًّا في قصيدته المؤرَّخة سنة 1244هـ حيث يقول:

تربتي بالنزار من دُور إزكي … وبِهَا الْمُنْتَشَا وفيها قِبَابِي(2)

وهي داري ووجاري(3) غَيْرَ أنّي … خانَنِي الدَّهْرُ بانقلابٍ واغترابِ

كلما تَمَّ ذِكْرُها في فؤادي … ذابَ شَوْقًا مِن حُرْقَةٍ والتهابِ

ما حَلا لِِي مِنْ بعدها لذَّةٌ النَّوْ … مِ بعيني ومَطْعَمِي وشرابِي

ليتَ شعري هل يأذَنُ الدهرُ يومًا … بعد بَيْني بعودةٍ وإيَابِ؟

أنا في الناس ذو شَجىً واشتياقٍ … وغَرامٍ وكُرْبَةٍ واكتئابِ

لو برَضْوَى ما بِي لانْهَدَّ دكًّا … وغدا كالصَّعِيد من عِظم ما بِي(4)

* المرحلة الثالثة:

هذه المرحلة غامضةٌ نوعًا ما، فلا ندري أينَ كان مُقَامُه بعد تنوف، والدلائلُ تُرَجِّح عودتَه إلى موطنه إزكي، بينما يَرِدُ في بعض الْمَصَادر ما يُفْهَم منه أنه تَوَلَّى القضاء في مسقط، ففي «تَمْهيد قواعد الإيْمَان» مسألةٌ أجاب عنها الشيخُ سلطان البطاشي وأيَّدَهُ على جوابِهَا الْمُحَقِّقُ الخليلي، يَذْكُرُ فيها السائلُ قضيَّةً خُوصِمَ فيها في «مَسْكَد»(5) عند الشيخ «عامر بن سليمان الريامي»، وكأنّه يشتكي مِن قضاءِ هذا الشيخ فيها، فرَفَعَ القضيَّة للشيخ سلطان البطاشي، وأخْبَرَهُ بِجَوابِ الشيخ الريامي، فاعتذرَ لَهُ الشيخُ البطاشي بأنَّ كلامه فيها كأنه صادِرٌ عن غَضَب، وقال لسائِلِه: «ولعلَّكَ أغْضَبْتَ الشيخ حتى ألْجَأْتَه إلى هذا الكلام الجافِي، وعلى حُسْنِ الظن به فالْمَرْجُوُّ مِنْ مِثْلِهِ التلافِي لِمَا فَرَطَ مِنه في ذلك في سَوْرَة الغَضَب، لأنّه مِنَ العارِفِين؛ وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾(6)، وعَهْدِي به مَرَّةً بعد أخرى يتذكَّر ولا يستكبر، والْمُؤمِنُ تنفعه الذكرى، والله أعلم»(7).

هذا كلام الشيخ البطاشي في الشيخ عامر بن سليمان، وهي شهادةٌ لَهُ إِنْ صَحَّ أنَّه هو المقصود، ولعل السلطان سعيد بن سلطان ولاَّه القضاءَ في مسقط آخِرَ عمره،

(1) الريامي: مصدر سابق ص131.

(2) علَّق الشيخ نفسُه على هامشها بقوله: «الوجارُ: البيتُ أيضًا».

(3) علَّق الشيخ نفسُه على هامشها مفسّرًا معناها بقوله: «بيوتي».

(4) قصيدة في تأريخ نسخ كتاب إحياء علوم الدين، ملحقة في آخره (مخطوطة بيد الشيخ عامر).

(5) هكذا ورد في الأصل، وهو الاسم القديم لـ «مسقط» عاصمة السلطنة.

(6) الآية 201 من سورة الأعراف.

(7) المحقق الخليلي: تمهيد قواعد الإيمان 7/ 186.

٦ / ٤٦