بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ١٦والبيان، الذين أُنزل عليهم بلسانهم الذي يفهمون، ونقلوا لنا بيانه متواترا جيلا عن جيل، وحافظوا على اختلاف مذاهبهم على أصوله الكبرى أو ما يسمى "المعلوم من الدين بالضرورة"، وتلك هي الروح الدافئة والسكينة العميقة التي يجدها القارئ المتدبر سليم القلب لما يتلوا القرآن العظيم الميسر للذكر.
أما
موضوع
"تخلّف المسلمين" الذي دندن حوله الكاتب كثيرا، واتخذه ذريعة لتبرير قراءته التفكيكة المضطربة؛ فإن الأبحاث المعاصرة المستفيضة تؤكد أن السبب الأكبر لتخلّف البلدان هو الفساد السياسي والاستبداد وانحراف الفقه الدستوري، ومن هذه الأبحاث الدراسة الفخمة " Why Nations Fail" للكاتبين Daron Acemoglu and James .A. Robinson وإن هذه المسألة من أكبر مشكلات التراث الإسلامي، وهو الموضوع الذي يتحاشاه شحرور إلا إشارات محتشمة، ولا أظنه سيحظى بهذه الحظوة الإعلامية إن قرّر يوما قول الحق في مثل هذا الموضوع المحوري الحيوي! ولكن يبدو أن الرجل ليس معنيا بالظلم والاستبداد السياسي واضطهاد الحريات المدنية أكثر من اهتمامه بموضوعات المساكنة والخمر والربا ثم يعتبر نفسه مصلحا وذا قراءة معاصرة ستنتشل المسلمين من التخلف!
إن ظاهرة شحرور ليست الأولى ولن تكون الأخيرة فهي جزء من فلسفة الابتلاء في هذه الحياة الدنيا، فالله تعالى يقول: "وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان: 20]، فليس ادعاؤنا للإيمان بألسنتنا بالضرورة صادقا فلابد من تمحيص واختبار "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ" [العنكبوت: 2] وفتنة الاتباع لمجرد تبرير هوى اختبار قد يخفق فيه الكثير، وقد حكى الله تعالى وقائع تنازع يوم التغابن بسبب الاتباع بالهوى من ذلك قوله تعالى: "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتَّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا": [البقرة: 166، 167]، كما أن الإضلال قد يكون بآيات الله تعالى نفسها، وهو أمر واقع حكى عنه القرآن: "وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ الْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [آل عمران: 78]، فالله يهدي بالقرآن من كان صادقا في بحثه عن مراد الله تعالى، كما يضل به من كان في قلبه زيغ يبحث عن مراده في كتاب الله تعالى: "يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ" [البقرة: 26]، فالجميع في اختبار، وكل فرد حرّ في خياراته الفكرية، كما أنه مسؤول وحده عن مصيره إنه منطق الحرية المسؤولة القائم على حقيقة الحساب الأخروي الذي يعرضه الله تعالى بكلامه المعجز: "أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" [فصلت: 40].
نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق
16