بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز: قراءة في فكر محمد شحرور أبو نصر بن محمد بن عمر شخار

بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ١٥

المسلمين المتخلف أو تجاه التفسيرات الدينية غير المعقولة لنكبة 67 كما يحكي المؤلف (8)، ومن الطبيعي أن تدفعه ردة الفعل هذه إلى محاولة تطويع الوحي لواقع الحضارة الغالبة ماديا.

ولكن هذا الغلو -للأسف- لن يولّد إلا ردة فعل أشد قتامة وإيغالا في الحرفية والشكلانية واللاعقلانية، لأن مثل هذا التصوّر يعمل على ترسيخ اغتراب الوحي ومضامينه لصالح رؤية غريبة مستوردة وخاصة مع النفخ الإعلامي الذي يحظى به الكاتب في السنوات الأخيرة لأسباب سياسية شبه معلومة!. فبخلاف المنتفعين سياسيا بآراء شحرور أو من كانت له شقوة هوى تجاه إحدى أركان الشريعة وجد لها متنفسا في آرائه فإن غالبية المسلمين ستقاوم التصوّرات المستفزة، فتكون الخسارة الكبرى للتيارات النقدية المتوازنة التي تعمل على الحفاظ على نصاعة أصول الشريعة مع نقد ما يعكر صفوها من تراث إنساني ظرفي.

هذه

إن القارئ النبيه المنتبه ستتجلى أمامه الخلفيات الفلسفية التي ينطلق منها الكاتب في تحليلاته، وهي في غالبها تستند إلى رؤية فلسفية مادية للوجود والمجتمع، ومن سوء تقدير الكاتب أن يعتقد أن التحليل المادي هو نهاية التاريخ والعلم، وأن يدمن استعمال عبارة "القراءة المعاصرة"، وهي في الحقيقة قراءة تجاوزها الزمن، فالعلم المعاصر بدأ يتوب ويؤوب إلى خالقه، ويتخفف من ماديته، ويعدّ الرؤية المادية "نظرة قديمة" في مقابل "النظرة المعاصرة" التي يتسع أفقها للتحليل اللامادي، ويمتد رحابها إلى الروح والوعي العقلي الرحيب، وهذا ما نجده مثلا في كتاب The New Story of Science لروبرت م. أغروس وجورج ن ستانسيو، أحدهما فيزيائي والآخر فيلسوف، وهو كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة، مكتوب بلغة علمية واضحة وضوح الحقيقة وجلاءها، وقد أفرد المؤلفان فصلا تحت عنوان " God" ينقل القارئ إلى آفاق من الربانية والروح بلغة العلم المعاصر، وهكذا ينبغي أن تكون القراءة الربانية المعاصرة، قراءة يلتقي فيها جمال الكتاب المنظور مع الكتاب المقروء، لا قراءة تخنق روح الوحي وتنزل به إلى دركات المادية الموحشة، منتهكة منظامه وأصوله وحتى بيانه وجماله.

وإن مرجعية هذه القراءات الحداثية نابعة من فلسفة تؤمن بالسيولة والنسبية الأخلاقية، ولا تعترف غالبا- بالمتجاوز اللاهوتي، وتستخدم أدوات اللسانيات الوضعية للتعامل مع النص بوصفه وثيقة لغوية مصمتة، مقطوعة عن أي زخم تاريخي أو روحي، فمن التزييف والخطل المنهجي انتهاج ذلك المنهج مع ادّعاء الإيمان بقدسية النص وربانيته، فالقراءة التفكيكية تحوّل النص القرآني الذي يصف نفسه "وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ" إلى نص ذليل أمام سلطة القارئ يشكله كيفما يشاء، ويفرض عليه قسرا أية أيديولوجية يهواها، عبر الانتقاء والتحكم وتتبع الشاذ من اللغة مهملا المنهج المعياري التاريخي الذي يستحضر أصول التعاقد اللغوي في عصر التنزيل، مع التوسل المغرض بأداة التفسير الموضوعي لتهميش المركزي وتفخيم الهامشي، لتنتج لنا قراءة تلفيقية بائسة تفتقر لأية روح وحياة، ويصبح تصوّر الصواب والخطأ والحق والباطل نسبيا لا يتعين، ويصبح المعنى نفسه ضائعا مؤجلا كما يقول أرباب التفكيكية، على عكس الوصف الإلهى لبيان القرآن الكريم وحجيته ورسوخه في صدور الذين أوتوا العلم

8

على ما يحكيه المؤلف في برنامج "ضيف ومسيرة" في قناة France 24، المنشورة في اليوتوب

29

يوم ديسمبر

2016

15