تاريخ إفريقيا الشمالية: تونس، الجزائر، المغرب الأقصى من البدء إلى الفتح الإسلامي 647م شارل أندري جوليان

تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..

الجزء ١ · صفحة ١٠

ش. جوليان

تنتهي عند "سيرتا العظمى ولا تتعداها. وقد تأكدت تبعية بلاد طرابلس الشمالية للمناطق الموجودة غربا مرات عديدة عبر العصور. وفعلا فإن سهول السباسب في الجنوب التونسي وراء مهاد الجريد هي نفسها التي تتواصل في منطقة لا يتجاوز عرضها 200 كلم مارة بالجفارة على حافة البحر حتى تنتهي مثلها إلى ساحل منبسط. أما في الجنوب فإن حاشية النجاد الصحراوية هي نفسها التي تتكون منها جبال القصور والطنف الكلسي الذي يصلها بضواحي طرابلس والمعروف باسم جبل.

ومن جهة أخرى فإنه يتعذر عزل الصحراء عن إفريقيا الشمالية في بعض العهود على الأقل. وإذا اعتبر الأطلس الصحراوي حدا جبليا تبدأ بعده نجاد الحمادة الصخرية العارية ومساحات "الرق" الحجرية أو رمال "العرق" فإنه لا يكون حدا مناخيا وبالأحرى حدا بشريا. فأهل الشمال هم الذين حققوا استعمار المزاب الرائع وبالعكس فإن قبيلة ك (أولاد سعيد عتبة النازحة من ورقلة إلى سرسو وهي التي تحيي مدة أسابيع قليلة من كل سنة أرض زناتة القديمة. إلا أن ظاهرة تعايش حضر الواحات والرحل التي تمتاز بهما الصحراء أي امتياز ليست أصالة بظاهرة صحراوية.

ذلك أن جانبا كبيرا من جنوب بلاد المغرب يعرف هذه الظاهرة. غير أن الخط الملتوي الصاعد أحيانا إلى التل والذي نرسم به على خرائطنا حدود البداوة لم تضبطه الطبيعة منذ الأزل على الأقل في تفاصيله وإنها لمشكلة من أعوص مشاكل تاريخ المغرب أن نهتدي إلى تغيرات هذا الخط.

||| - الإطار الجغرافي لتاريخ إفريقيا الشمالية:

1 - بلاد تابعة

إن ما عليه تضاريس بلاد البربر يسر دائما للقادة العسكريين احتلال البلاد بسرعة عن طريق السهول المرتفعة المتسلسلة من سيرتا إلى المحيط الأطلسي، ومن سوء الحظ فإن هذه الطريق الوحيدة طويلة وضيقة أكثر مما يجب فهي تغص وتنسد فتتعثر حركة المرور فيها. وإذا بالغزو "وقد بدأ أحسن بدء" يبقى تخطيطا سريع الانهيار (أ. ف. فوتيه)

(E.F.Gauthier)

فالمغرب هذا البلد الذي يتكون القسم الأهل منه على حد تعبير أ. ف فوتيه من "حاشية مديدة يبلغ طولها 3000 كلم ولا يكاد يبلغ عرضها 150 كلم" مع "وضع من أدعى أوضاع العالم إلى السخرية" قد أعوزه طبعا مركز جغرافي تتجمع حوله المقاطعات المختلفة ومناطق الريف والسوس وخمير منعزلة عن الجهات المجاورة لها والأنهار التي قيل عنها في استعارة جريئته: إن الكثير منها تجري ولا ماء" طيلة جزء السنة هي طرق للمواصلات متواضعة في غالب الأحيان ليست لها قيمة اقتصادية تذكر. ثم إن التجزؤ الطبيعي ساعد على تكوين الخصائص الجهوية وأقر المتناقضات

من

وحال دون اختلاط السكان.

2 - المغرب الأقصى

ليس من الصعب أن نتبين إلى أي حد أثرت جغرافية المغرب في تاريخه. وبالنسبة للمغرب الأقصى يكفي الركون إلى ج. سليري (J. Célérier) الذي خص المسألة بدراسة شافية في ذكرى هنري باسي" (Henri Basset).

ولئن لم يكن للحدود الطبيعية إلا قيمة نسبية فهناك مغرب أقصى ومتميز بحدوده الجغرافية هو المغرب الأقصى الذي يكون "جهة طبيعية ذات شخصية واضحة المعالم أيما وضوح، وبالرغم عما تصطدم به حركة المرور من عقبات بسبب المحيط الأطلسي والريف والأطلس والصحراء فإن المغرب الأقصى لم يبق في هذا الانعزال الموحش الذي

19

18