تاريخ إفريقيا الشمالية: تونس، الجزائر، المغرب الأقصى من البدء إلى الفتح الإسلامي 647م شارل أندري جوليان

تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..

الجزء ١ · صفحة ١١

ش. جوليان

يؤكده الباحثون عادة: إن إدارة السلاطين خلال القرنين 18 و 19 هي التي أغلقت الحدود التي كانت مفتوحة تماما في عهدي الموحدين وبني مرين. وقد تنازعت المغرب الأقصى في عصوره كلها مؤثرات أوروبا وإفريقيا المتوسطية وإفريقيا المدارية.

إن المغرب الأقصى جزء لا يتجزأ من الكتلة الإفريقية. لذلك فإن مؤثرات الصحراء وحتى الغزوات المنطلقة منها طبعت تاريخه بالرغم من العقبات الطبيعية. لكن المغرب الأقصى ليس عبدا للقارة الإفريقية. ففي إمكانه أن يتخلص من هذه التبعية، ويتجه إلى المحيط الأطلسي، بل على الأقل إلى البحر المتوسط الذي يضيق على سواحله إلى حد يفرض معه جاذبية الأراضي الإسبانية التي تكتشفها الأنظار من هذه السواحل. وإذا شارك الساحل المغربي في العصور القديمة في نشاط البحر المتوسط فإن تاريخه في القرون الوسطى بقى متصلا وثيق الأنصال بتاريخ إسبانيا، ولم يدفع بالمغرب الأقصى من جديد إلى إفريقيا إلا بعد الغزو الإسباني (reconquista) فاضطر إلى الانطواء على نفسه، خاصة وأنه كان عرضة لهجوم أعدائه في الدين من الضفة الأخرى. وهكذا لم يعد للمغرب الأقصى، وهو طريق الإسلام في غربي بلاد البربر، صلة بإسبانيا النصرانية. ولم يستفد حتى من الغزوات الشرقية التي كان يمكن أن يجني منها ثمارا، لقد كان المغرب الأقصى معبرا للفاتحين لا مستقرا فقد استوطن الدخلاء في المدن التي كانت لها حياة وحضارة مستقلتان عن حياة القبائل وحضاراتها، ولم يكن للأرياف البربرية من معرفة بمجموعة المدن إلا ما كانت توفره لها من نهب ثروات القصور والمنازل الأسواق. إن التأثير المزدوج لإفريقيا والبحر المتوسط يظهر في وضع المغرب الأقصى ومناخه اللذين طبعا البشر فأثرا في تاريخهم والمنطقتان المتنافستان على مر الدهر أعني مملكتي فاس ومراكش، تعبران عما بين الشمال المتوسطي والجنوب الإفريقي المستند إلى الواحات من تضارب. فقد قال " سلريي": "يوجد بين الجبيلات ولأطلس المتوسط عتبة مرور ممتازة تزيد أهميتها لالتقاء نهرين غزيرين بأم الربيع وهما واد العبيد والتسوات ولقربها من مناطق تادلة والحوز والدير والخصبة وكثيرا ما شهدت مقاطع هذه الأنهار معارك دامية".

وخلافا لما كان يجري في الجزائر فإن معالم دولة المغرب الأقصى لم تزل قائمة طيلة هذه المعارك المستمرة. وقد صمد حضر شمال المغرب أو البدو الذين استقروا بالسهول أعنف صمود في وجه محاولات بدو الصحراء الذين كانت قد شلت حركتهم عقبة الأطلس الكأداء. وتمكن الحضر من الاستقرار في السهول المنفتحة ساعدهم على بسط سلطانهم وسهل عليهم فرض طاعتهم. لكن الجبال الوعرة - بلاد الصبا - كانت خارجة

؛ تاريخ شمال إفريقيا

عن سلطة " بلاد المخزن". وقد وفق البربر المعتصمون بالجبال في مقاومتهم لعزم سكان السهول على تعريبهم منذ أن شرع في ذلك إدريس الأول في القرن الثامن وعاشوا دائما في حالة حصار، ولم يمنعهم ذلك من أن ينزلوا من حين لآخر كتلا بشرية لا سبيل إلى صدها يقودها مؤسسو الإمبراطوريات. وإنما تاريخ المغرب الأقصى في مختلف تقلباته صراع لا يني بين الجبل والسهل. وقد كانت للمغرب الأقصى عواصم سياسية أو ملكية تستجيب لحاجات معينة. فطنجة وهي ثغر إن لم نقل مستعمرة فينقية، وأكبر مدينة في موريطانيا الغربية حتى ثورتها على الملك البربري "بوغود" كانت في العهد الروماني عاصمة موريطانيا الطنجية التي لم تشتمل إلا على جزء من شمال المغرب الأقصى. وسواء كانت تحت سلطان البرتغاليين أو الإسبان أو السلاطين أو خاضعة للنظام الدولي الذي لم تزل عليه إلى اليوم فإنها استمدت قيمتها من وضعها في مضيق جبل طارق في المكان الذي يتسع فيه نحو المحيط الأطلسي. فلم تقم بدور عاصمة بقدر ما قامت. بدور حارس الخطوط الأمامية بالنسبة للمغرب. وكان لمدينتين أخريين فاس ومراكش تاريخ أكثر إشعاعا أما فاس التي أسسها إدريس الأول وإدريس الثاني فقد ورثت الدور الذي كانت تقوم به وليلى (Volubilis) ولها فضل أكده "أ. ف. فوتيه": فيها الماء الذي تحتاجه المدن الشرقية أيما احتياج، هذه المدن لا يعرف أهلها كيف يجلبون الماء من بعيد ولا كيف يضمنون لمجموعة بشرية ما حاجتهم إلى الشراب. وهذا هو السبب الأصلي في ازدهارها. ولا يزال سكان فاس إلى اليوم يحمون ثروتهم من أعمال الري التي يطالب بها معمرو "السايس " ثم إنه يوجد فيها أيضا مواد

البناء.

وبالتالي، فموقعها الوعر المساعد على حمايتها يستمد قيمته بالخصوص من كونه في مفترق الطرق التي تسيطر عليها وهي المواصلة إلى مراكش والرباط وطنجة وممر تازة. لذلك كان أسياد فاس هم دائما أسياد المغرب. ولم يتيسر لأية مدينة مغربية أخرى أن تكون جماع الدولة المغربية كما تيسر لمدينة فاس. لقد كانت في الواقع العاصمة السياسية والفكرية والدينية والاقتصادية. ويبدو مستقبلها التجاري لليوم لا حد له. وعلى بعد 60 كلم من فاس فقط في نفس هذه الجهة المحظوظة أسس السلطان مولاي إسماعيل في أواخر القرن السابع عشر على أنقاض بلدة عتيقة مدينة مكناس مقرا جديدا لملكه. وهذه المدينة المسيطرة على مفترق الطرق والغنية كجارتها بالعيون ومقاطع الحجارة قد تصبح في المستقبل "قطب الرحى بالنسبة لقطارات المغرب

21

20