تاريخ إفريقيا الشمالية: تونس، الجزائر، المغرب الأقصى من البدء إلى الفتح الإسلامي 647م شارل أندري جوليان

تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..

الجزء ١ · صفحة ٩

ش. جوليان

وتوجد بالجنوب جبال الأطلس الصحراوي القصيرة المتوالية وهي: جبال قصور وجبال عمور وجبال أولاد نايل التي تتتابع من المغرب الأقصى إلى الهدنة بصورة منتظمة، والتي تفصل بينها ممرات واسعة تسهل معها المواصلات وتشرف هذه الجبال من ارتفاع قدره ألف متر على الصحراء التي تختفي تحت كتلة من الرواسب المنجرفة من سفوحها. وتفقد الجزائر في قسمها الشرقي هندستها العادية ويبدو الساحل في غالب الأحيان رائعا، ولكنه لا يتيسر فيه العمران. ولا توجد السهول الساحلية إلا في طرفي هذه الجهة: ففي الغرب نجد سهل "متيجة " وراء هضاب ساحل مدينة الجزائر، ونجد في الشرق السهل المعروف بسهل عنابة الممتد على شكل هلال في جنوب جبل هدوق Edough. وكثيرا ما تنتصب الجبال على حافة البحر بالذات كجبل القبائل العظيم المتصل جنوبا بأعالي جرجرة الناتئة الكلسية أو اتجهنا أكثر نحو الشرق جبال بابور

والمجموعة المتقطعة الممتدة من رأس "بوقرعون " إلى رأس الحديد (Cap de fer).

وليست جبال التل وراء المنطقة الساحلية من واد شلف إلا عناصر متوالية إلى الحدود التونسية فاقدة لكل المميزات لا يتجاوز البتة ارتفاع قممها 1800 م تتخللها أحيانا سهول صغيرة وهي بقايا أحواض عتيقة جفت مياهها (سهل الميلية وقالمة) وتضطر طرق المواصلات إلى المرور من معابر (Cluses) ضيقة غائرة مثل مخانق بلسترو أو تلك التي يسميها الأهالي البيبان والتي شهرتها حملة دوق أورليان" سنة 1839 تحت اسم (أبواب الحديد) (Portes de fer).

وتنتهي التلال العليا عند غور الهدنة والجبال الصغيرة للأطلسين المتصلين بعضهما ببعض بالقرب من خط الزوال بعنابة تخفف من حدة التلال العليا القسنطينية وتكسبها شيئا من التنوع.

أما الأطلس الصحراوي الذي تحافظ قممه الناتئة الحادة على اتجاهها من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي فلا يقل وعورة عن التل الأطلسي. ويمثل جبل أوراس حزمة مرتفعة، ذات أوضاع عادية حيث توجد أعلى قمة في الجزائر (جبل شلية 2328 م) وتتخلله أودية ضيقة. وينفتح بين الأوراس من جهة وبلاد " بلازمة " وجبال زيبان من جهة أخرى ممر إلى الجنوب من وادي "واد قنطرة " الواصل بين التلال العليا والصحراء.

3 - تونس:

إن الحدود الحالية بين الجزائر وتونس لا تطابق الفاصل الطبيعي الذي يمكن تبينه إجمالا غربي هذه الحدود بالقرب من خط الزوال المار بعنابة حيث كانت حدود نوميديا الرومانية

تقريبا.

؛ تاريخ شمال إفريقيا

والمنطقة الجبلية التي هي امتداد لجبال الأطلس الصحراوي تشق البلاد متجهة من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي ثم تنحدر شيئا فشيئا حتى هضاب شبه جزيرة الوطن القبلي وهي عبارة عن منت هي عظم الفارة Epiphyse continentale) وهذه المنطقة التي تعرف بالسلسلة الظهرية تفصل في الواقع بين تونسين: تونس التل وتونس السباسب. وفي التل التونسي الذي هو امتداد طبيعي للتل الجزائري توجد جهتان جبليتان تحيطان شمالا وجنوبا بالسهول التي يشقها وادي مجردة وروافده. فنجد من جهة الجبال المشجرة المتواضعة الارتفاع (يبلغ هذا الارتفاع 1200 م فقط في القسم الغربي منها) ومنها جبال خمير ومقعد، ومن جهة أخرى نجد جبالا متشابكة عارية ذات أشكال ضخمة، وسهولا صغيرة تسمى أحيانا التل العلوي. أما الجهات التي يشقها واد مجردة فهي في واقع الأمر وحدات متمايزة. ويتسع وادي مجردة شرقا قرب الخليج حيث استقرت العاصمتان الكبريان للبلاد التونسية عبر التاريخ: أي قرطاج وتونس.

وتبدأ السباسب جنوب السلسلة الظهرية فهناك السباسب العليا في الجهة الغربية من البلاد حيث تنتصب في الأفق الرتيب الجبال الكلسية العارية حتى جنوب قفصة، ومنه تبدأ الصحراء. وهناك السباسب السفلى في الجهة الشرقية وهي سهول مترامية الأطراف تمتد من الجبال إلى البحر على وتيرة واحدة ما عدا جهة سوسة (الساحل) حيث تذكرك الهضاب بمنظر طبيعي "شبيه بالتل"

وليس وجود هذه السهول أدعى إلى الملاحظة من وضعها ذلك أنها لسهولة المواصلات بينها، ولموازاتها للبحر على غرار سهول المغرب الأقصى الجهة الوحيدة "المنفتحة" في إفريقيا الشمالية بالإضافة إلى السهول المغربية.

إلا أنه بينما يتجه المغرب الأقصى اتجاها معاكسا لما ظل عليه تاريخ العالم حتى القرون الخمسة الأخيرة نرى تونس المتصلة اتصالا مباشرا بحوض البحر المتوسط والبعيدة عن أوروبا ب 140 كلم فحيب تتأثر بمؤثرات آتية من الشرق والغرب على التناوب وبنفس السهولة. 4 - ما وراء البلاد

ومهما ضبطنا الحدود الجغرافية لإفريقيا الشمالية فإن إطارها لم يفرض نفسه فرضا خلال التاريخ ومن يوم أن رسم الفيلان Les Philies بتضحيتهم البطولية. على رغم ما ورد في الأسطورة، الحدود الفاصلة بين قرطاج وقريني (Cyrene) فإن إفريقيا

17

16