تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..
الجزء ١ · صفحة ١٦ش. جوليان
كم من مرة. لذلك سيجد القارئ في هذا الكتاب مجموعة من المعلومات هي تحليلية أكثر منها تأليفية.
أن المظهر الجغرافي للبلاد لم يتغير تغيرا محسوسا منذ أن دخلت بلاد البربر ويبدو التاريخ أي منذ أواخر الألف الثانية قبل المسيح تقريبا وقد استمر بطبيعة الحال التأثير اليومي للانجراف والترسب معا في سرعة غير مشعور بها، ولكنه لم يغير إلا القليل من مظهر الأرض هنا وهناك، كما وقع في مصب نهر السيبوز ومصب نهر مجردة. أما الحجج التي تزعم إثبات تغيرات مستوى البحر في عصور التاريخ فقد أقيم الدليل على أنها مجرد خيالات.
وفي الواقع لم يتغير المناخ هو أيضا وربما كان أكثر رطوبة مما هو عليه اليوم بسبب تضاؤل النبات نقول ربما وفي الواقع لم تقم حجة جديدة ضد نتائج بحوث ستيفان قزال (St. Gsell) المؤيدة لاستقرار مناخ إفريقيا الشمالية منذ 3000 سنة على الأقل.
أما في عصور ما قبل التاريخ، فقد كانت بلاد البربر تختلف عما هي عليه اليوم اختلافا قوى كلما اقتربنا من أوائل تلك العصور فالإنسان الأول الذي ظهر في إفريقيا الشمالية، أي أقدم إنسان عثر على أثر له إلى هذا اليوم، عاش منذ ثلاثمائة أو أربعمائة ألف سنة تقريبا. والثلاثون أو الأربعون قرنا التي يذكرها إنسان هذا العصر بصورة تتفاوت وضوحا تبدو متواضعة للغاية بالنسبة إلى ماضي البشريات المتعاقبة المدهش. إلا أن نفس المنظر الطبيعي لم يزل يشاهد أطوارها المختلفة. أما في عصور ما قبل التاريخ فإن المدنيات هي التي تبدو بالعكس قارة بالنسبة للطبيعة المتبدلة. والبشر الذين نجد آثارهم في الأحافير (Fossilles) تأملوا مناظر طبيعية تختلف عما نراه اليوم. ومظاهر التضاريس وخاصة السواحل لا تماثل ما نجده اليوم. والمناخ خاصة وبالتابع المياه والنبات والحيوان المتأثر بأحوال المناخ جميعها لم تكن على ما أصبحت عليه اليوم. فالذي ينتظره مؤرخ ما قبل التاريخ من الاختصاصيين الآخرين هو في آخر الأمر أن يمكنوه من ربط مصير الأجناس المنقرضة بتقلبات العوالم الميتة فإلى أي. حد هذا ممكنا الآن؟.
2 - معطيات الجيولوجيا
إن علم طبقات الصخور الخاص بالحقبة الرباعية البحرية وهو المرجع الوحيد لمؤرخ ما قبل التاريخ في دراسته لإفريقيا الشمالية يعتمد في خطوطه الكبرى على التصنيف الذي وضعه ش. ديبري Depert) منذ ما يقرب من ثلاثين سنة. ويقوم هذا التصنيف على وجود شواطئ متحجرة في مواضع مختلفة من البحر المتوسط، ويكتشف الباحث
تاريخ شمال إفريقيا
هذه الشواطئ في مستويات معينة أو يزعم أنها معينة ويجد فيها بقايا حيوانات متماثلة. أما اختلاف هذه المستويات فيعزى إلى حركات استاتيكية (Eustatique) ناتجة عن ظواهر التجلد والذوبان. وكاد الباحثون أن يجمعوا على التناسب الآتي: 1 - الصقلي 10090 - (م يناسب آخر عصور ما قبل الجليدي.
2 - ميلازي 55) - 60 م يناسب عصر ما بين الجليدي قونز (؟) مندال.
3 - التيريني (28 - 30 م يناسب عصر ما بين الجليدي مندال- ريس. 4 - المنستيري أو قريملدي (15) - 20 م يناسب عصر ما بين الجليدي ريس- ورم 5 - والعصر الحالي ما بعد الورميني أو ما بعد الفلاندري بحسب رجوعنا إلى التجليد ما بعد الورمين الأخير أو الفيضان البحري الذي تبعه. لكن هذا التخطيط الذي يرتاح إليه الكر أيما ارتياح لم يلاق من سوء الحظ إجماع علماء الجيولوجيا، بل يمكن القول بأن أغلبهم يرفضونه اليوم. ففريق يأبى أن يقر الترابط المشار إليه آنفا بين مختلف مستويات المميزة للساحل المتوسطي وبين عصور ما بين الجليدي، خاصة وأن التجلد الذي قرره قونز مشكوك في صحته عند الكثيرين، وفريق آخر أشد احترازا من الأول لا يكتفي بمهاجمة نتائج بحوث شديبري وأتباعه فحسب، بل ينتقد الملاحظات التي تعتمد عليها هذه النتائج وحتى الذين يقبلون التخطيط جملة فإنهم يعترفون بأنه يوجد فيه بعض المتناقضات التي كثيرا ما تنال من مدلوله العام. فكيف يمكن لعلم ما قبل التاريخ أن يقرر على أسس مشكوك فيها إلى هذا الحد، تواريخ نسبية لم يقدح أن ح أحد من قبل في صحتها؟ وبالإضافة إلى ذلك فمن الواجب أن نؤكد أن علم الجيولوجيا تنتهي مهمته المتواضعة أو تكاد حينما نصل إلى العصر الحجري القديم.
وتصنيف ش. دي بيري - و إن أصبح مجرد افتراض للبحث بصورة وقتية على الأقل- فإنه إطار مناسب يمكن أن نسجل فيه المعطيات الخاصة بالعصر الحجري القديم أو المعطيات الأثرية على أساس أنها مجرد إمكانيات. وترجع أقدم آثار للإنسان في المغرب الأقصى في الحد الذي بلغته معلوماتنا، إلى عصر ما بعد الصقلي وما قبل الميلازي حسب نظرية أبداها أ. نوفيل وأ. رولمان وتبناها الأب هـ. بروي. أما في الجزائر فإن بعض المعالم يجب إرجاعها حتى إلى الفيلافرانشي حسب الاكتشافات الحديثة التي قام بها س. أرمبورغ في عين الحناش بجهة سطيف. إلا أن الإجماع لم يحصل حول هذه النقطة أيضا وبقى باب
31
30