تاريخ إفريقيا الشمالية: تونس، الجزائر، المغرب الأقصى من البدء إلى الفتح الإسلامي 647م شارل أندري جوليان

تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..

الجزء ١ · صفحة ١٧

ش. جوليان

المناقشة مفتوحا بين أنصار التواريخ المحدودة" أي الذين يجعلون أوائل العصر الحجري القديم في ما بين الجليدي -ريس - ورم وأنصار التواريخ "الممتدة" الذين يجعلونها في عصر ما بين الجليدي قونز- مندال.

وحتى لو ذهبنا مذهب أ. رولمان في تناسب "الكلاكتو- أبيفلي" مع عصر ما بين الجليدي " قونز ميندال "و "الابيفيلي" (شيلي) مع عصر ما بين الجليدي "مندال-ريس" والآشولي وهو معاصر تقريبا للموستيري السفلى" ويناسب عصر ما بين الجليدي "ريس-ورم" فإن ذلك لا أن هذا التناسب يصح على إفريقيا الشمالية كلها. فلم يتيسر ضبط يعني طبقات الصخور إلا بفضل ما اكتشف في مقطع سيدي عبد الرحمان بالقرب من الدار البيضاء - إلا أن أسس هذا الضبط نفسها مشكوك فيها كما سبق أن أسلفنا. والذي تمتاز به بلاد البربر هو التفوق "المطلق" لمراكز السطح التي توجد فيها معالم ما قبل عصور التاريخ ....

3 - معطيات علم العصر الحجري القديم (باليونتولوجيا):

بالرغم من أن معطيات البلينتولوجيا أقل فيما يتعلق بضبط التواريخ من معطيات الجيلوجيا فإنها تمتاز بأنها أصح. وهناك أمر رئيسي يبدو ثابتا هو استمرار نوع واحد من الحيوان في إفريقيا الشمالية طيلة غالب الحقبة الرباعية - وهو نوع من حيوان البلدان الحارة الرطبة له خصائص النوع التشادي - الزمبيزي ". والأجناس التي تدل على وجودها أحافيرها (Fossiles) المخلوطة بآلات العصر الحجري القديم هي الفيل Elephas atlanticus) وفرس البحر hippopotamus amphibus) والكركدن (rhinoceros simus) والبقريات والزرافات والظباء والنعام ولم يعثر على الأيلات والحيوانات اللبونة آكلة اللحوم إلا ابتداء من العصر الحجري المتوسط (موستيري) وهي أجناس نزحت من الشمال وأعطت الحيوان في المغرب صفة الاختلاط هو حيوان إفريقي أوروبي آسيوي في نفس الوقت ولكن دخول هذه الأجناس الأوروبية التي دفعها إلى الجنوب تفاقم المناخ الناتج عن أحد التجلدات قد يكون تجلد "ريس") لم يستمر بعد العصر الحجري المتوسط بسبب انفصال إفريقيا عن أوروبا.

وهذا الانفصال مضافا إلى تناقص تبادل الحيوان مع جهات إفريقيا المدارية والاستوائية إلى حد التوقف عند انتصاب الحاجز الصحراوي هو الذي سيعطي حيوان إفريقيا الشمالية صفة الحيوان "المنعزل" "المتبقي". وإن هذه الميزة تظهر منذ العصر الحجري القديم وهذا النوع من الحيوان سيتطور شيئا فشيئا من نوع الحقبة الرباعية إلى النوع

تاريخ شمال إفريقيا

الحالي وذلك باضمحلال بعض الأجناس (س. أرمبوغ). وتنحصر أجناس الحيوان الجديد التي ظهرت فيما بعد في بعض الحيوانات الآهلة كالحصان في الألف الثانية، والجمل قبيل حقبتنا على أغلب الظن. أما زوال بعض الأجناس فيظهر أنه كان من عمل الإنسان وحده. فعمليات الصيد الكبرى في عصور ما قبل التاريخ وحاجات الجيوش القرطاجية ومتطلبات الملاهي الرومانية خاصة تبين بيانا كافيا لماذا لم يبق هذا الجنس أو ذاك إلى يومنا هذا. ومنذ القرون الأولى من حقبتنا أصبح الفيل مجرد ذكرى. أما النعام فقد تبقى حتى القرن السابق في جهة "داياس" ولم ينقرض آخر أسد من أرض يوبا إلا في نفس العهد وقد قال هوراس: 16 - 15 ،22 ، Léonum arida nutrix (Horace، ode i)".

غطية الراعية من جهة.

وإن تشابه شكل الحيوان في الحقبة الرباعية من جهة، وخصائصه المكونة من جهة أخرى تسمح للباحث بأن يقرر أن المناخ بقى حارا رطبا حتى العصر الحجري القديم الأعلى على الأقل. ومما لا شك فيه أن هذا المناخ لم يكن متشابها دائما. وقد تكون أغزر الفترات أمطارا قابلت مختلف فترات التجلد إلا أن تواضع ظواهر التجلد في أطلس المغرب الأقصى - وهي الجهة الوحيدة من بلاد البربر التي لوحظ فيها هذا الأمر- يكفي لإقامة الدليل على أن المناخ في نفس هذه المدة لم يكن شديد البرودة. ويجب من جهة أخرى ألا نتصور بلاد المغرب في عصور ما قبل التاريخ على نحو ما نرى الكنغو اليوم مثلا. وإذا كانت مياه وديان الحقبة الرباعية وخاصة وديان الصحراء، أغزر بكثير مما هي عليه الآن فإنه من المستبعد جدا أن خضعت هذه الوديان لظاهرة التناوب بين غزارة المياه وجفافها أو على الأقل قلتها المفرطة. ولم يتطور المناخ نحو الجفاف إلا في عصر ما بعد المنستيري أو إذا أردنا العصر العتيبي والدراسات التي تناولت فحوم أحافير الحقب الأولى في جهة تبسة أظهرت أن العصر القفصي الأعلى تطور في كنف مناخ شبيه بمناخنا شبها كبيرا. وشأن النبات كشأن الحيوان هو يتغير بعمل الإنسان لا بتأثير الطبيعة. فتعمد قلع الأشجار وتوسيع مناطق الزراعة وكذلك نمو الحياة الراعوية كلها أساسية لانجراد بلاد المغرب. 4 - معطيات النتروبولوجيا يحسن أن نقف عند أحد أنواع الحيوان أعني الإنسان. ولا يوجد إلى اليوم أية وثيقة أنتربولوجية يمكن معها رفع جهلنا للإنسان الأول الذي عاش على أديم إفريقيا الشمالية. وآلاته وحدها هي التي دلت على وجوده إلا أن بعض الاكتشافات الحديثة ألقت أضواء بالغة الأهمية على البشرية التي كانت تعيش في المغرب الأقصى الحالي أثناء العصر الحجري المتوسط. ولندرس أولا إنسان الرباط؛ فبالرغم عن أن الأجزاء المكتشفة سنة 1933 لا

33

32