تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..
الجزء ١ · صفحة ١٨ش. جوليان
تتعدى في الواقع قسما من الفك العلوي مع القسم الأمامي من الفك السفلي، فإنها تسمح بأن نؤكد أننا أمام شاب صغير (عمره 16 سنة تقريبا) له خصائص جنس عريق في البدائية. ويجب أن نضع إنسان الرباط بالنسبة إلى تطور الجنس البشري مع إنسان نياندرتال (Nanderthal إن لم يكن أقدم منه باعتبار بعض الخصائص التشريحية التي تقربه من السيننتروب (Sinanthrope). ورغم أن علماء الجيولوجيا لم يتفقوا على سن الحجارة الرملية التي وجدت فيها هذه الأجزاء فإنه يبدو من الجائز أن نعتقد أن إنسان الرباط معاصر للموستيري وربما كان أقدم منه وأن نفس الخصائص النياندرتالية ونفس دلائل البدائية هي التي نجدها في البقايا البشرية المكتشفة منذ سنة 1939 بطنجة (في مغارة العالية على بعد 13 كلم في الجنوب الغربي من هذه المدينة). وأن الحفريات التي لا تزال متواصلة لا تسمح إلى حد الآن بأن نستنتج بوثوق الدور المضبوط الذي يجب إسناده إلى هذه الآثار في علم الطبقات بالنسبة إلى العصر الحجري المتوسط. إلا أنه يبدو أن سنها لا يزيد كثيرا عن سن إنسان الرباط.
فوجود جنس النياندرتاليين أو جنس شبيه به على الأقل في إفريقيا الشمالية أصبح اليوم أمرا ثابتا، لكن بالنسبة للجزء الغربي من البلاد فقط لحد الآن. ويجب أن نلاحظ أيضا أننا لا نعرف شيئا عن أصل هذا الجنس ولا عن مصيره بعد العصر الحجري المتوسط. فالحلقة المفقودة من الواجهة الانتروبولوجية هي بين العصر الحجري المتوسط والعصر الحجري الأعلى. ويطلق عامة على إنسان العصر الحجري الأعلى اسم إنسان مشتى العربي، وهو اسم "المحلزة " (Escargotiere) القريبة من شاتودان دي رومل (قسنطينية) سنة 1907. وقد تعددت الاكتشافات منذ هذا التاريخ خاصة
التي أكتشفها. ج. مرسي معها من دون شك تلك التي وفق إليها. س. أرمبورغ في مغارة
في مقاطعة قسنطينة
" أفالوبورمال " على بعد 30 كلم شرقي بجاية والحفريات التي أنجزت بين سنة 1927
و 1930 كشفت معظمة بأتم معنى الكلمة، ومكنت الباحثين من أن يدرسوا ما يقرب من ثلاثين نموذجا عثر عليها في ظروف ينتفي معها الشك من حيث علم طبقات الصخور. وهي نماذج إنسان مديد القامة معدل) مترو (72) مستطيل الرأس أو متوسطه طويل الأعضاء، خشن الوجه بهيمي السحنة وخاصيته الرئيسية أن جميع نماذجه المعروفة قد قلعت القواطع من أسنانها.
ويبدو
أن هذا الجنس عاش في إفريقيا الشمالية كلها، لأن آثارا له قد اكتشفت في الواجهة الأطلسية من المغرب الأقصى (دار السلطان بالقرب من الرباط) وخلافا لما كان يظن من قبل فإن هذا الجنس لا يرتبط فقط بإنسان نياندرتال، بل بالإنسان العاقل
تاريخ شمال إفريقيا
(homo sapiens). وبصورة أدق فإن إنسان مشتى العربي يذكرنا بجنس "كرومانيون" (Cro-Magnon). ونماذج هذا الإنسان ليست من جنس واحد ولكنها تنحدر من فرع واحد أصله من القسم الشرقي من البحر المتوسط (بول فالوا) وهذا النموذج البشري الذي انتشر في عصر المحلات Escargotieres) دام إلى ما بعد العصر الحجري الأعلى وحتى إلى العصر الحجري الحديث المنتسب إلى القفصي إذا اعتبرنا أن الغونش القدماء سكان جزر الكناري عاشوا في هذا العصر كما ذهب إلى ذلك رفيرنو. أما فيما يخص الآثار التي قد يكون خلفها هذا النموذج البشري في السكان البربر فإن ما انتهت إليه البحوث الأنتروبولوجية في إفريقيا الشمالية لا يسمح بأي افتراض جدي في شأنها. وكذلك لا نعرف شيئا كثيرا عن وجود عناصر زنجية في عصور ما قبل التاريخ ببلاد البربر. وإذا سلمنا كما يراه البعض بأن جنس قريمالدي) موستيري) أصله إفريقي فإننا نجهل هل هو انتقل إلى أوروبا من المغرب أم لا إذ لم يعثر إلى يومنا هذا على ما يشهد بوجوده في هذه البلاد. وأقصى ما يمكن أن نذهب إليه هو أن نتساءل: هل يمكن لإنسان " أسلار" الذي اكتشف هيكله سنة 1927 في وادي أحد روافد النيجر وهو التلمسي وله وجوه شبه كبيرة بإنسان قريمالدي وبالسكان الحاليين لإفريقيا الجنوبية، أن يدفعنا إلى الاعتقاد بأن السود تجاوزوا منذ العصر الحجري المتوسط وربما العصر الحجري الأعلى" الحدود الشمالية للغابات الكبيرة. غير أنه يجب أن نلاحظ أن بعض الهياكل العظمية المكتشفة في بلاد البربر لها خصائص زنجية لا يمكن دحضها.
5 - معطيات علم الآثار
وإذا مكنتنا الجيولوجيا والبلينتولوجيا من تصور الوسط الذي كان يعيش فيه إنسان ما قبل التاريخ ومكنتنا الانتروبولوجيا كذلك من تصور هذا الإنسان نفسه فإن الأدوات التي تركها وما يتبعها من أمتعة هي التي تلقي بعض الأضواء على مدينته ومن سوء الحظ فإن علم آثار ما قبل التاريخ يخضع لظاهرة بعيدة الأثر من حيث نتائج البحث وهي أن غالب مراكز التنقيب سطحية ومعنى ذلك أن معطيات علم الآثار لا ترتكز بصفة عامة على علم طبقات الصخور. وهذا ما يعطي قيمة كبيرة للملاحظات التي يمكن تسجيلها في الحالات التي تسمح فيها التوبوغرافيا بتنضيد المستويات المتتابعة. ويدل على ضعف التواريخ التي لا تعتمد إلا على التشابه التيبولوجي. فإذا ذكرنا " الشيلي" و"الاشولي" و"الموستيري" في إفريقيا، فلا يعني ذلك أكثر من أن وجوه شبه فنية تسمح بالمقارنة بين أدوات إفريقيا الشمالية والأدوات الأوروبية المنسوبة إلى هذا الصنف. ولكن لا سبيل إلى استنتاج أي شيء يتعلق بأصل هذه الصناعات أو بتواريخها
11
35
34