تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..
الجزء ١ · صفحة ٢٢ش. جوليان
إن القفصي هو فترة المحلات " Escargotières) أولا وبالذات. وأطلق عليها هذا الاسم لاتابي (Latapie على هضاب اصطناعية لا يتجاوز علوها عشرة أمتار ويمكن أن تبلغ أبعادها المتفاوتة إلى أقصى حدود التفاوت الخمسين مترا عرضا والمائة والخمسين مترا طولا. وهذه الهضاب تكونت بتراكم الرماد والأدوات والهياكل العظمية البشرية والحيوانية، وخاصة أصداف الحلزون التي منها اشتق الاسم الذي أطلق على هذه الهضاب. غير أنه يجدر أن نلاحظ أن مثل هذا التراكم المعقد يوجد في بعض الخبايا تحت الصخور كخبية كلاريون (Abri Clariond' قرب أم العرائس بالجنوب التونسي. وهذه الأجزاء المتنوعة تمثل ما تبقى من المخيمات والقرى القديمة. وتخص مجموعة الأدوات الموجودة في هذه الأمكنة بظهور الحجارة المنحوتة الدقيقة ذات الأشكال الهندسية والأزاميل الصغيرة التي تضخم عددها أثناء تطور العصر القفصى. وكثافة هذه "المحلزات" في بعض الجهات كبيرة جدا. فلقد اهتدى "لاتابي" إلى 42 "محلزة" في دائرة يقدر نصف قطرها ب 30 كلم حول تبسة ودابروج (Debruge) على طريق "كرناي" بالجبل. كما اهتدى فورتاس (Fortas) إلى ست "محلزات" في مساحة قدرها 12 كلم. ويمكن أن نعد هذه "المحلزات" بالمئات بالنسبة إلى إفريقيا الشمالية كلها إذا لم يقارب عددها الألف. وبينما نجد تشابها في العصر الحجري الأدنى بين نماذج أدوات إفريقيا الشمالية وأوروبا الغربية فإنه لم يلاحظ أن خصائص المصنوعات القفصية كانت توجد في مصنوعات السواحل الشمالية للبحر المتوسط. ولذا فإنه أصبح اليوم لا يعتد بالافتراض القائل بأن الاورينياسي (Aurignacien) هو من أصل قفصي. فالقفصي الأصيل، بمعنى القفصي الأدنى لم يبلغ البتة البحر ولم يقدر على الوصول إلى صقلية وإيطاليا. أما أصوله فالأفضل أن يبحث عنها في مصر حسب رفوفري (Vaufrey . غير أن المقارنات من حيث التواريخ التي أمكن ضبطها بين القفصي وبين " سبيلي " (Sébilien)- جهة أسوان
- ليست من الصحة بحيث تسمح بتجاوز الاحتمال إلى اليقين.
مقاطعة
وإذا استثنينا جهة التلال المنفعة في وهران والجزائر حيث تنتقل مباشرة من الموستيري أو العتيري إلى الحجري الحديث فإن الجزء من إفريقيا الشمالية الذي لا يسيطر عليه القصي أي الواجهة الساحلية منه هو من مشمولات "المويي" (Mouillen) وقد اكتشف هذا الأخير لأول مرة سنة 1908 في مويه (Mouillah) قرب مرنية غربي وهران. غير أن لفظة مويي بقيت قليلة الاستعمال وقد فضلت عليها قديما كلمة الإيبري موريزي (Ibero-Maurusion) التي اقترحها ب بلاري (Pallary وعوضت الآن بكلمة وهراني التي تخيلها هـ. بروي (H. Brevil).
؛ تاريخ شمال إفريقيا
ولا بد أن تكون هذه الصناعة التي "لا يوجد أفقر منها" كما قال رفوفري شكلا متطورا من القفصي وهي بالفعل قريبة جدا من القفصي الأعلى ولا تختلف عنه إلا بانعدام الأدوات الحادة الكبيرة والمتوسطة ذات الحد الساقط à dos abattu) وبقلة الحجارة المنحوتة الدقيقة ذات الأشكال الهندسية " (ر. فوفري) وبالعكس فإن الشفرات الصغيرة ذات الحد المقوس (à dos rabattu هي أهم ما في هذه المجموعة من الأدوات. وهذا يدعونا إلى التفكير في أن هذه المدينة "القفصية" قد عمت شيئا فشيئا وخطوة خطوة معظم البلاد البربرية أو كادت وإن فن الصناعة الذي تمثله حل محل صناعات العصر الحجري المتوسط الموجود تحت "المويي". ولقد أجمع الباحثون اليوم على رفض صحة العلاقات الأثرية بين هذه الصناعة وبين صناعات إسبانيا التي أريد من ابيري موريزي" التعبير عنها.
لفظة
ولا يمكن طبعا تحديد الفترة التي ولدت فيها وترعرعت المدنيات القفصية المويية تحديدا مدققا. غير أنه لا بد أنها تلت نهاية فترة التجلد الأخيرة التي حصلت حسب جير (Geer) قبل المسيح ب 14000 سنة ولا بد أنها سبقت من جهة أخرى النيوليتي الذي يظهر أنه عاصر الفترة التي تقدمتما قبل عهد الأسرات بمصر، وهي فترة انتهت حوالي سنة 3500 قبل المسيح. ولذا فإنه يستبعد أن تخطيء إذا قلنا: إن أكبر جزء من العصر الحجري العلى في إفريقيا الشمالية يمتد من سنة 10000 إلى 5000 قبل المسيح. وأثناء هذه الفترة الطويلة جف المناخ شيئا فشيئا حتى وصل إلى درجة قريبة من الدرجة التي نعرفها الآن. ورغم ذلك فإن الفيل والبقر والغزال والكركدن والنعام بقيت تجوب الأرض المغربية وبدون ن شك فإن جني الثمار والصيد هما اللذان كانا يأخذ القسط الأكبر من نشاط الإنسان. غير أن إنسان مشتى الغربي كان ينتمي إلى فصيلة الإنسان العاقل Homo sapiens) فهو يجهل الحيوانات الآهلة، إلا أن المشاغل الجمالية لم تكن غريبة عنه إطلاقا، كما تدل على ذلك الأشكال الهندسية التي اتصفت بها آلاته، وكما تدل على ذلك النقوش التي يخطوها على قشور بيض النعام كنقش الحيوان المجتر الموجود بواد منقوب قرب أولاد جلال في مقاطعة قسنطينة، أو الأصداف المثقوبة التي كانوا يستعملونها للتجميل وينزل هنا الإنسان في غالب الأحيان على مقربة من الوديان أو العيون، وتوجد منازله التي يعيش فيها عيشة الحضر حتى في الجبال كما تدل على ذلك اكتشافات أ. روهمان في الأطلس المتوسط.
43
42