تاريخ إفريقيا الشمالية: تونس، الجزائر، المغرب الأقصى من البدء إلى الفتح الإسلامي 647م شارل أندري جوليان

تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..

الجزء ١ · صفحة ٢٣

ش. جوليان

3 - العصر الحجري الحديث:

إن العصر النيوليتي في إفريقيا الشمالية نتيجة اتصال التقاليد المحلية بما ورد من الخارج، ومعنى هذا أن بعض العناصر التي هي في الحقيقة من العصر النيوليتي كالأدوات المصقولة والآنية الخزفية قد اختلطت بأشكال القفصي والمويي المتطورة. ولقد اقترح ر. فوفري، وله الفضل في اكتشاف هذا الاتصال أن نميز بين عصر نيوليتي ذي تقاليد قفصية هو بدوره منبثق عن القفصي المثالي بواسطة ما يسميه هو ما بين القفصي والنيوليتي، وبين النيوليتي الموسوم بالطابع الوهراني هو نفسه عن الموبي.

ولا شك أن العهد النيوليتي الشمال إفريقي حديث العهد نسبيا. ويظهر أنه لا يسبق بكثير الأربعة آلاف سنة قبل المسيح وأنه امتد إلى قلب العصور التاريخية. فانعدام فترة انتقالية تالية للعصر النيوليتي هي بالفعل من خصائص ما قبل التاريخ في إفريقيا الشمالية ولهذا فإن الفينيقيين أسسوا مراكزهم التجارية الأولى في عالم ذي مدينة نيوليتية، والصحف التي خصصها هيرودوت لإفريقيا تلتقي هنا وهناك أضواء خاطفة على ذلك. غير أن ربط بلاد البربر بعالم المدنيات المتوسطية لم يكن على ما يظهر نتيجة الانفصال التام عن العادات العريقة في القدم. فلاشك أنه استعملت سهام من الحجر مدة طويلة بعد ذلك. وكذلك لم تهجر الملاجئ النيولوتية فجأة واستمر السكان إلى قلب العهد الروماني على ما يظهر يرصفون صخرة على صخرة لبناء مساكنهم وهي المصاطب (dolmens).

أما من

وأثناء العصور النيولوتية أخذت طبيعة إفريقيا الشمالية تقترب شيئا فشيئا مما هي عليه الآن فتفاقم جفاف المناخ وتغيرت " الفونا". فاخت في فرس البحر والفيل الأطلسي وأصبح وجود الكركدن نادرا جدا وأصبحت الأيلات هي الأجناس المختصة بهذا العصر. وأخيرا ظهرت الحيوانات الأهلة وخاصة الفرس والكلب. والسكان هم آخر أحاد إنسان مشتى العربي أو الممثلون الجدد للجنس المتوسطي فلم تحدث في ذلك الوقت أية ثورة جنسية غير أننا كثيرا ما نعاين من وقت لآخر تأثير عناصر زنجية بالجنوب التونسي في "الرديف " مثلا وتغيرت الحياة الاجتماعية، وظهرت الفلاحة ونمت، وإن بقيت صناعة الحجارة هي الصناعة الأصلية فلم تعد هي الوحيدة، وتحسنت شيئا فشيئا. وحلت أدوات الحجارة المصقولة، وخاصة الفأس، محل أدوات الحجارة المنحوتة. وتكاثرت مع مرور الزمن الأمتعة المصنوعة من العظام، وظهرت خاصة آنية الفخار بدائية بعيدة عن الجودة إلا أنها تشهد باعتناء أصحابها بالناحية الجمالية. فلقد بقيت آثار الزخرف على الأجزاء القليلة التي نعثر عليها كالخطوط والحواشي الحمراء أو الرسوم المقتضبة

يوجد

؛ تاريخ شمال إفريقيا

المخدومة بالأظافر والأشواك. ويظهر أن بلاد المغرب عرفت في هذا العصر حتى فن صنع التماثيل الشبيه بما نجده في الصحراء إذا نحن عددنا كما فعله م. ريقاس (M. Reygase) أصنام " تابل بلات" ذات الرؤوس الآدمية في الصحراء الشرقية من العصر النيوليتي. وعلى كل فإن مساكن الحجارة الكثيرة في غربي البلاد التونسية وفي مقاطعة قسنطينة (أكثر من عشر آلاف مسكن حول "سيغوس" في الجنوب الشرقي من قسنطينة) والملاجئ المقامة على المشارف كالتي نجدها في أعلى منحدرات واد "باث " تشهد بأننا إزاء مرحلة أولى للفن المعماري (أ. ب. روهمان). وليس هناك من شك في أن بلاد البربر تدين لمصر بأكبر قسط من هذه التغيرات. ويظهر أن المراكز الصحراوية مثل مركز عبد العظيم في الجنوب الغربي من العرق الكبير تدل على أن الصحراء كانت همزة وصل بين إفريقية الشرقية وبلاد البربر وكذلك بالنسبة لوجود (spatha nilotica) في تيديكالت (Tidikelt إلا أنه يرجح أن الصلات بأوروبا وخاصة إسبانيا تمتنت أيضا. والتشابه بين آنية أشاكر" الخزفية رأس سبرتال) وبين بعض الآنية الخزيفية الإسبانية يصعب عده مجرد صدفة.

45

45

44