تاريخ إفريقيا الشمالية: تونس، الجزائر، المغرب الأقصى من البدء إلى الفتح الإسلامي 647م شارل أندري جوليان

تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..

الجزء ١ · صفحة ٣٣

ش. جوليان

ولقد حافظت قبائل الرعاة على ملكية الأرض الجماعية. ولا بد أن وجدت شيوعية في الميدان الفلاحي تتمثل إما في قسمة ثمرة عمل الجميع بين أفراد المجموعة أو في توزيع الأرض بين العائلات بصفة وقتية ولا نعرف بالضبط الظروف التي تكونت فيها الملكية الخاصة التي يلاحظ وجودها في عهد ملوك البربر.

ولم تضمحل سكنى الكهوف مع اضمحلال عصور ما قبل التاريخ بل بقيت في بعض الجهات إلى أيامنا هذه. غير أن الكهوف (افري)، بحكم استقرارها. لا تلائم مربي الحيوانات الذين كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر بمواشيهم. ولهذا فهم يقبلون على المنازل المتنقلة وهي نوع من الأجهزة يمكن فكها جزءا جزءا تغطى بالحصر. ونجد شبيها لها في بعض جهات الصحراء. وهي تشترك بدون شك مع بعض المنازل البسيطة الأخرى في اسم مباليا Maalia أما الحضر فإنهم يسكنون إما في أخصاص من فروع الشجر تميل إلى الطول أوفي أكواخ مربعة من حجر أو طين جاف.

ولقد أنشأ البربر لحماية ثرواتهم من النهب ملاجئ وهي نوع من القصور أو القلاع يحرسها رجال مسلحون، أو هي في بعض الأحيان أبراج فيها يقيم سيدهم منزله بمكان وعر ويودع كنوزه ويشيد أهراءه. وكانوا يتجمعون في قرى تتكون من تكاثف الأكواخ في أماكن لائقة صالحة أعدها القوم. وهذه القرى والأحياء التي اعترضت طريق الرومان والتي يعدونها بالمئات سميت عندهم كستلا (Castella) . ولم توجد المدن إلا من وقت استعمار الفينيقيين، ولقد سميت باللاتينية أوبيدا (Oppida).

3 - طعامهم ولباسهم وأسلحتهم اشتهر البربر في كل العصور بقوة بنيتهم وطول أعمارهم. والواقع أن الذين لا يزالون إلى اليوم يثبتون إزاء هذا التبذير المريع للأنفس البشرية هم من طينة ممتازة. إنهم كانوا قنوعين ونباتيين في غالب الأحيان. وقد كان الفلاحون يأكلون الكسكسي منذ ذلك العهد ومربو المواشي قليلا ما كانوا يذبحون حيواناتهم بل يكتفون بلبن المعز. وكانوا يؤثرون الصيد والحلزون والعسل ولا يشربون إلا الماء.

وكان البربر القدماء يسيرون حاسري الرؤوس قد أسبلوا شعورهم على آذانهم ونضدوها لولبية الشكل متوازية أو أبقوا خصلة منها زاهية في أمهات رؤوسهم المحلوقة، وكانت لهم دائما اللحى الملسنة.

وبعد أن كانوا يكتفون بستر عوراتهم أو يتزرون بإزار إذا- هم لم يعيشوا عراة تماما- اتخذوا لأنفسهم جلود الحيوانات وقاية من البرد ثم استعملوا عباءات من الصوف

؛ تاريخ شمال إفريقيا

شبيهة "بالكردون" ومعطفا شبيها بالبرنس. وظلوا دهرا طويلا يضعون على رؤوسهم إكليلا من الريش يظهر اليوم في الصخور المنقوشة. وبعد حجرات ما قبل التاريخ التي بقيت مستعملة طويلا أصبح الدبوس سلاحهم المضل وربما العصا القاذفة boomerang). ثم بعد ذلك استعاضوا عن السيف بالقوس وخاصة الحربة اللذين كانوا يقاتلون بهما، وقد شدوا إلى أيديهم سكينا لذبح أعدائهم وإذا هم اضطروا إلى سلاح دفاعي احتموا بترس خفيف من جلد الفيل يصير غير صالح للاستعمال إن بلله المطر.

4 - الحلي والفن كان إنسان ما قبل التاريخ. عطي لحجارته المنحوتة اللوزية (amandes) وأدواته المذنبة وفؤوسه المصقولة أشكالا متناسبة منسجمة. فكان يصور بأظافره، ثم بآلات حادة من الصوان والعظام نقطا متتابعة وخطوطا منكسرة وخطوطا منحرفة عديدة. وكان يزخرف بيض النعام ويصنع الدرر والأقراط ويزركش الصخور بنقوش عديدة كما رأيناه

سابقا.

وكان البربر يتزينون بالحلي نساء ورجالا. فالرجال يضعون أقراطا في آذانهم والنساء خلاخل في أرجلهن، وكان جميعهم يحملون أسورة وقلائد. ولم يعرفوا رغد العيش في البيت إذ كانوا على الأرض أو على المصاطب المبنية، ولم يكن لهم من المتاع إلا آنية من الفخار زينتها الهندسية موجودة إلى يومنا هذا في آنية الخزف ببلاد القبائل والبربر شأنهم شأن الأم البدائية كانوا يعتبرون الفن ظاهرة اعتيادية للحياة لا متعة للنخبة. وكانوا لا يزخرفون إلا الأثاث المستعمل عادة اللهم إلا الحلي التصل أصلها القديم بالسحر. والمرأة فنانة أكثر من الرجل في غالب الأحيان فهي التي تزخرف آنية الخزف أو تنسج الزرابي. ولا يستمد الفن البربري نماذجه من الطبيعة، بل هو يتعلق بالزينة ذات الأشكال الهندسية ولا يستعمل الخطوط المنحنية إلا نادرا وبدون براعة إلا أنه غير عاجز عن التقليد، إذ هو يصنع دمي للسحر صورها بشرية خالصة. وهذا الفن الهندسي الرتيب في الظاهر والذي ربما يحمل في طياته ما يعبر عن مختلف مراحل تطور ما يرجع إلى عصور قديمة جدا. ويتصف بحيوية ممتازة إذ هو صمد في وجه مظاهر الفن الأخرى

65

64