تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..
الجزء ١ · صفحة ٧ش. جوليان
الشمالية رغم ذلك لم تكن أبدا منطقة غابات فسيحة على الأقل في عصور التاريخ وباستثناء بعض الجبال. ومع ذلك فإنه يجب ألا ننسى أن تزايدا في نمو الغابات قد حصل هنا وهناك منذ عصور التاريخ القديمة.
والواقع أن السباسب التي قد يكون تفوقها ازداد شيئا ما خلال آلاف السنين الأخيرة هي التي تلعب الدور الفعال في التطور البشري لإفريقيا الشمالية. فهي تفرض ظروفا حياتية تختلف بحسب تفاوت أهميتها. فتارة تبعد البشر أو تكاد، وطورا تضطرهم إلى حياة غير مستقرة توقعها حركة الفصول وأخرى تتطلب صبرا وقناعة عندما تتوالى السنوات العجاف. وهي تحتل على الأقل نصف مساحة إفريقيا الشمالية بالرغم عن ارتفاع البلاد الذي من شأنه أن يعمل على التنقيص منها.
غير أنه يجب أن نتحرى عندما نشاهد اليوم مناظر البلاد فنظن أنها على حالتها تلك منذ القدم. فسهل "متيجة" كان جزء منه منذ ما يزيد كثيرا عن القرن مغمورا بالمستنقعات، ويجب أن نتخيل أرضا جرداء عند الوقوف أمام زياتين صفاقس. وحتى بعض أنواع النبات فإنها لم تكن موجودة في المناظر الطبيعية القديمة فشجرة الكلتوس (eucalyptus) الاسترالية الأصل دخلت البلاد في القرن التاسع عشر وشجرة كسيروفيل (xerophile الأمريكية أدخلها الإسبان منذ ثلاث أو أربعمائة سنة ولكن حصل العكس في مواطن أخرى إذ لا شك أن بعض المدن الرومانية مثل "تيمقاد (Timgad) أو "جميلة" Djemila) لم تشيد أبنيتها الحية في مثل هذا الأفق العاري القاحل حيث نشهد اليوم أطلالها شاخصة.
6 - أقسام إفريقيا الشمالية الكبرى
إن إفريقيا الشمالية ليست كتلة منسجمة بالرغم عن الظروف العامة التي اقتضت تضامنها المادي والبشري. ذلك أننا نميز اليوم بين المغرب الأقصى والجزائر وتونس، وهي أقطار لا تطابق حدودها مطابقة تامة الحدود التي تفرضها الجغرافيا وليس معنى ذلك أن هذا التمييز لا مبرر له، فقد برزت خلال آلاف السنين الثلاثة شخصية الجزأين المتطرفين من شمال إفريقيا واندرجت بينهما الشخصية السلبية "إن صح هذا التعبير"، التي نسميها الجزائر. ولا شك أن خصائص هذه الأقطار تنمحي في بعض الأحيان ضمن ما تشيده السياسة من صروح تندمج فيها هذه الخصائص وتشوه، إلا أن انبعاثها من جديد يقيم الدليل على ديمومتها التي تعللها الجغرافيا في مظاهرها الأساسية تعليلا مرضيا على سبيل الإجمال.
|| - المغرب الأقصى والجزائر وتونس:
1 - المغرب الأقصى: إن وجه الشبه بين تضاريس غربي المغرب الأقصى وإسبانيا كبير جدا، فلو أمكن كما تخيل ذلك "تيوبالد فيشير Theobald Fischer ضم تضاريس البلادين بعضها إلى بعض حول المفصلة المتمثلة في مضيق جبل طارق لطابق الريف سلسلة جبال البيتيس (Cordillere Betique ولقابلت مهاد تازة وسبو والغرب الأندلس، ولطابق أيضا الأطلس المتوسط الهضاب الإسبانية والأطلس الأعلى جبال "البيرينيه". وعلى العكس من ذلك يبدو المغرب موليا ظهره للجزائر، ويلتحم القطران في القسم الشرقي من المغرب الأقصى الذي لا يخضع لسلطة الجزائر الإدارية ولكنه تابع لها جغرافيا باعتباره امتدادا لسهولها العليا.
أما شمال المغرب الأقصى فهو منطقة جبلية أقل ارتفاعا من الأطلس إلا أن قربها من البحر المتوسط ووجود الأمهاد المحيطة بها أبرزا هذا الارتفاع. ومن هناك تبدو في وضوح سلسلة جبلية مقوسة طولها 300 كلم تجويفها متجه نحو الشمال وتسمى الريف. ثم إن بوغاز جبل طارق الذي هو مضيق قديم غمرته مياه البحر وآخر ممر لغربي الأطلس لا يفصل المجموعة الجبلية الشمال إفريقية والسلسلة الجبلية الأوروبية إلا بفاصل ضيق لأن سلسلة جبال البيتيس" امتداد للريف المغربي في الأندلس - وفي جنوب الريف تتتابع الجبال في شكل دائرات منتظمة ذات مركز واحد، وفي جبل زرهون ينتصب ضريح مؤسس الدولة الإدريسية.
وتمتد السهول والنجاد بين المحيط الأطلسي وسفح الأطلس. فالنجاد في الشمال بين طنجة وفاس في الجهة المسماة بالغرب أقل بروزا وكذلك الهضاب تحيط بالسهول المتكونة من المجروفات والقسم الغربي من الطريق الرئيسية التي تشق البلاد عرضا والتي منها وصلت جيوش الغزاة الآتية من الشرق إلى الساحل الأطلسي يتكون من سهول نهر سبو وأحد روافده من اليمين وهو واد أناون (Innaouen).
13
12