تطور الكتابة التاريخية عند العمانيين لمهنا السعدي
الجزء ١ · صفحة ٢٤وكذلك يلاحظ على منهجه تحري الدقة والتفصيل فلا يكتفي مثلا بسنة وفاة العَلم، بل يورد سنة الوفاة مع اليوم والشهر بل والوقت في أحايين كثيرة ويظهر ذلك جليا من خلال النص الذي سقناه، وكذلك يذكر أسباب الوفاة ومكانها ومكان القبر ومن صلى عليه إن وجد معلومات بهذا الخصوص، أيضا نجده في بعض تواريخ الوفيات يذكر بعض الحوادث المميزة التي وقعت في تلك الفترة بعُمان كالحروب والفيضانات وغيرها، وقد أورد معلومات مهمة ونادرة حول فيضانات وسيول جارفة وقعت ببعض المناطق من عُمان في سنة 251هـ/865م وتحديدا في بدبد وسمائل وقيقا (المعبيلة الشمالية حاليا) ودما (السيب حاليا) والباطنة فيقول: "ولما كان ليلة الأحد 3 ليال خلون من جمادي الأولى سنة أحدى وخمسين سنة ومائتي سنة نزل أمر فظيع عظيم ببدبد وقيقا والباطنة وسمايل ودما وصحار، أمر عظيم جليل نزل عليهم في الليل… فجاءهم دوي وظلمة وهوي وهول ملضع وأمر مطلع، فعناهم في ذلك بجيج وصياح وعجيج، واستهلت السماء فأدفعت عليهم من الماء فبينما هم كذلك وأمرهم على ذلك وهم في شدة من الفرق وخوف من الغرق ومنهم من أيقن بالمنية والحيف والقضية إذ جاءتهم السيول فأحدقت… وهم في المنازل خائفون مما نزل بهم، فقلعت السيول المنازل والأموال وغرقت النساء والرجال، فغرق الرجل وعياله، وتخرب منزله وماله، فأصبحوا في ليلة واحدة أصواتهم خامدة ومنازلهم هامدة، فهدمت السيول من أسكانهم، وأخرجتهم من أوطانهم، وحملت إلى البحور أبدانهم، وقلعت الأشجار وأغارت الأنهار، فأصبح السالم منهم الموسر فقيرا يطلب الأكلة والشيء اليسير، وأشدهم فادحة أهل بدبد وقيقا، وتفرق من بقي منهم في البلدان وتركوا الأوطان وخربت المواضع والعمران، حتى إنه ليمر بها الإنسان فتأخذه لمنظرها رهبة"(1) .
(1) انظر: محمد ابن مداد، سيرة، ص579. …