الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ١٣٣

الفصل الثاني: التشيع في بلاد المغرب الأوسط من القرن الثالث حتى الخامس الهجري.

والتأويل يختلف اختلافا واضحا عن التفسير الذي جعله الشيعة الإسماعيلية من مهام "الناطق" ويقصدون به الرسل وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم فإن كان التفسير يذهب إلى إجلاء معاني الكلمات والعبارات الغامضة في النص القرآني وحتى الأحاديث النبوية الشريفة، بأسلوب مباشر حتّى يفهم معناها القارئ، فإنّ التأويل من مهام الوصي ومن بعده الأئمة" وهم وحدهم القادرون على إدراك المعاني الباطنية للنص المقدس، أو ما يسمى عندهم "بعلم الحقيقة

1

وعلى أساس هذا المعتقد لقبت طوائف الشيعة خاصة "الإسماعيلية والإمامة" "بالباطنية". والتأويل في اعتقاد الشيعة ليس من اختصاص العامة الذين يكفيهم علم الظاهر، لأنهم عاجزين عن فهم الأبعاد الحقيقية للتأويل، كما أنّ مفهوم العامة لدى الشيعة يتسع في هذه الحالة ليشمل جميع الطوائف الإسلامية بما فيهم أهل السنة والخوارج.

- الفرق بين علم الظاهر وعلم الباطن.

11

علم الظاهر الذي اختص "به"الناطق وهو الرسول الله في نظر الشيعة هو "علم الشريعة" وفي هذا الصدد يذكر أبي حاتم الرازي قوله: "إنّ الظاهر هو الشريعة والباطن هو الحقيقة، وصاحب الشريعة هو الرسول محمد صلوات الله عليه، وصاحب الحقيقة هو الوصى على بن ابي طالب ". ويستدل الإسماعيلية على هذا التقسيم بأحاديث موضوعة كقولهم أنّ الرسول أنه قال: " أنا صاحب التنزيل، وعلي صاحب التأويل"3.

211

والإسماعيلية بهذا المسلك يجعلون من علي بن أبي طالب رضي الله عنه_ شريكاً للرّسول في الرسالة، بل يذهبون أبعد من ذلك، عندما يقسمون الرسالة إلى ظاهر وباطن ويفاضلون بينهم فيجعلون علم الظاهر كالقشور وعلم الباطن كاللب أو الجوهر، وفي أحسن الأحوال يجعلون الظاهر مكملا للباطن والعكس صحيح، مثل علاقة الجسد والروح، وعلاقة الدنيا والآخرة، ولهم في ذلك نظرية متكاملة ذات بعد فلسفي قوامها أنّ الخلق هو تركيب بين عالمين:

-

1

علم الحقيقة: يعتقد الشيعة وحتى المتصوفة من أهل السنة أن الإسلام له، بعدان، بعد تشريعي عملي وبعد روحي تأملي، قال الإمام القشيري: الشريعة" أمر بالتزام العبودية، والحقيقة مشاهدة الربوبية، وكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فأمرها غير مقبول، وكل حقيقة غير مقيَّدة بالشريعة فأمرها غير محصول والشريعة جاءت بتكليف من الخالق، والحقيقة إنباء عن تصريف الحق، فالشريعة أن تعبده، والحقيقة أن تشهده، والشريعة قيام بما أمر، والحقيقة شهود لما قضى وقدر، وأخفى وأظهر".

2

- إحسان إلهي، المرجع السابق، ص 474.

3 - نفسه نفس الصفحة، يذكر المصادر الشيعية التي ورد فيها هذا الحديث المكذوب عن الرسول

128