الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

الفصل الثاني: التشيع في بلاد المغرب الأوسط من القرن الثالث حتى الخامس الهجري.

عُرف الخلفاء الفاطميون بأنهم رجال علم ومعرفة كيف لا؟ وهم المصدر الأساسي الوحيد للعلم والمعرفة في العقيدة الإسماعيلية وأنّ العلم فيهم مستودع من الله _حسبما يذهب إليه الشيعة كما يتميز التشيع الباطني بعمقه الفلسفي واللاهوتي الذي تعود جذوره الفكرية إلى الديانات والحضارات القديمة، وقد أشرنا إلى ذالك في بداية هذا الفصل.

كما تميز الخلفاء الفاطميون بحبهم للعلم ومجالسة العلماء، وإن كان يؤخذ عليهم ارتباطهم الشديد بنزعتهم المذهبية خاصة فيما يتعلق بالمسائل التي تدور حول الإمامة، مما جعلهم يضطهدون العلماء المخالفين لهم في الرأي خاصة المالكية من أهل السنة وحتى الإباضية، لكن هذا لا ينفِ دور الفاطميين التاريخي في ازدهار وتطور الحياة الثقافية، كما كان لموقفهم المذهبي من مخالفيهم ردّت فعل فكرية من أبرز مظاهرها تلك المناظرات التي كانت تجري بين أرباب المذاهب والشيعة، وكذا حركة التأليف للرّد على المخالفين.

ومن أبرز مجالات النشاط الفكري التي تميز بها الشيعة في بلاد المغرب، عقد مجالس الدعوة أو الحكمة وكذا المناظرات الفكرية مع مخالفيهم في المذهب، إلى جانب حركة التأليف، دون أن ننسى دور المساجد والكتاتيب والذي كان سائدا في العالم الإسلامي منذ القرن الهجري الأول.

-1 - مجالس الدعوة (مجالس الحكمة)

مجالس الدعوة هي أماكن كان يجلس فيها الداعي إلى أتباعه حديثي العهد بالدعوة في وقت معلوم من الأسبوع، هذه المجالس ما هي إلّا استمرار لعمل الدعاة الشيعة الإسماعيليين،

ولكن بطرق وكيفيات جديدة وفي ظروف تختلف عن مرحلة الدعوة التي سبقت قيام الدولة. أمّا الجديد في مرحلة قيام الدولة فيتمثل في أنّ اللقاء بين الداعي وحديثي العهد بالدعوة أصبح يتم بشكل علني وفي أماكن معلومة ويفتح لكل من يُرجى إقباله على الدعوة أو تثبيته عليها. ويروى أنّ عبيد الله لما دخل افريقية ونزل برقادة، أمر يوم الجمعة أن يذكر اسمه في الخطبة، وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين، وبعد الصلاة جلس إلى الناس رجل يعرف "بالشريف" ومعه

الدعاة، ودعوا الناس إلى مذهبهم.

1

-

- المقريزي، اتعاظ الحنفا، ج 2، ص 31. الحاجري، محمد طه، مرحلة التشيع في المغرب العربي وأثرها في الحياة الأدبية، ط 1،1983، دار النهظة بيروت، ص 36.

160