الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)

اتسعت دائرة الفتنة بين الصحابة وحصدت حروبها الآلاف من جيل الصحابة والتابعين وشهدت هذه الفتنة وقائع مشهورة أبرزها موقعة الجمل ومعركة صفين سنة 36 هـ، ثم تجدّدت المواجهات سنة 37 هـ 1.

مالت كفة الحرب لصالح علي وجيشه المتمركز في الكوفة بالعراق، وتراجع معاوية ومن يسانده من أهل الشام، فلجئوا بتدبير من عمر بن العاص إلى رفع المصاحف والمناداة بتحكيم كتاب الله في هذا الصراع، لم يجد علي بن أبي طالب سبيلاً غير قبول التحكيم حقناً لدّماء المسلمين 2. أدّى قبول علي بن أبي طالب التحكيم بعد أن مالت كفّة الحرب لصالحه إلى انشقاق خطير في صفوف جيشه، وذلك بخروج حوالي اثني عشر ألف مقاتل رفضوا التحكيم، كما أدّى

تطور موقفهم هذا إلى ظهور حركة الخوارج، كما مرّ بنا في الفصل الأول من هذه الدراسة. لم يكن ظهور الخوارج حدثاً سياسيا أو عسكريًا فقط بل كانت له أبعاد وآثار ذات طابع فكري عميق ترتب عنها بروز الاتجاه الخارجي المتميز بآرائه السياسية والعقائدية ومنهجه الفقهي التشريعي، الذي حاول دوما أن يتميز عن نهج كبار الصحابة والخلفاء الراشدين ومن نهج نهجهم من التابعين وتابعي التابعين. هكذا لم يكن خروج أهل النهروان خروجا عن السلطة وقيادة علي بن أبي طالب فقط، وإنما كان خروجا عن التيار العام الذي سار فيه المجتمع الإسلامي الأول في عهد الخلفاء الراشدين خاصة أواخر عهد عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب بعد أن قبل بالتحكيم.

دفع هذا الأمر أمير المؤمنين علي إلى مواجهة الخارجين من أهل النهروان لخطورة موقفهم العقائدي، والذي بلغ حدّ تكفير مخالفيهم من المسلمين وفي مقدمتهم معاوية بن أبي سفيان وحلفه وحتى علي بن أبي طالب ومن سانده في قبول التحكيم. رغم الهزائم التي ألحقها علي بن أبي طالب بأهل النهروان من الخوارج إلّا أنّ أحدهم وهو عبد الرحمن بن ملجم تمكّن من الغدر به وقتله سنة 40 هـ 3.

أدى مقتل علي بن أبي طالب على يد الخوارج إلى أن آل أمر الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان خاصة بعد أن تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن منازعة

1

2

—

3

الطبري، المصدر السابق، ج 5، ص 236 وما يليها.

نفسه، ج 6، ص ص 36 - 37.

الطبري، المصدر السابق، ج 6، ص 36. القطان، منّاع المرجع السابق، ص،188.

181