سايح دين
الجزء ١ · صفحة ١٩٤الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
توجت هذه المرحلة بظهور المذاهب الفقهية السنية الكبرى وفي مقدمتها المذهب الحنفي والمذهب المالكي هذين المذهبين وصلت تأثيراتهما إلى بلاد المغرب بقوة وساهمت في توجيه الحياة الفكرية والسياسية وحتى الاجتماعية وجعلت من الفقهاء سلطة فاعلة في التطور التاريخي لشعوب المغرب الإسلامي بصفة عامة والأوسط بصفة خاصة، هذا التأثير الذي شمل مرحلة هذه الدراسة الممتدة من القرن الثالث حتّى القرن السادس الهجريين، بل تعدّها. شاركت هذه المذاهب الفقهية السنية في بلورة وتوجيه تطور الحياة الفكرية في بلاد المغرب الإسلامي، بما أنتجه الفقهاء سواء في المشرق أو المغرب من مؤلّفات، وما صاغوه من مسائل فقهية وبما مارسوه من دور تعليمي مذهبي. كما كان للفقهاء في كثير من المراحل التاريخية - في فترة الدراسة - دور أساسي في توجيه الحياة السياسية أو التأثير عليها، ولا يخلو هذا الدور من التأثير على الجانب الاجتماعي لسكان بلاد المغرب الإسلامي بصفة عامة والأوسط بصفة خاصة.
رغم التعدد المذهبي الفقهي الموجود داخل التيار أو التوجه السني العام والذي ضمّ المذهب الحنفي والمالكي والأوزاعي والشافعي والظاهري، إلّا أنّ الفهم العام للقضايا المطروحة للنّقاش يبدو متقاربا وأحيانا متطابقا بين المذاهب الفقهية السنية، لكن هذا لا ينفي وجود بعض الاختلافات لكنّها ليست جوهرية، ورغم ذلك كانت تحدث بين هذه المذاهب السنية، خلافات وصراعات فكرية وأحيانا اجتماعية مثل ما كان يحدث بين الحنفية والمالكية في افريقية ببلاد المغرب، لكن تبقى الآراء العقدية المشتركة هي الأساس.
ولفهم أدق لدور الجانب الفقهي في توجيه الحياة الفكرية عند أهل السنّة جدير بنا العودة إلى الأسس المنهجية التي بني عليها هذا الاتجاه خاصة المذاهب التي وصلت واستقرت ببلاد المغرب، ونقصد بذلك المذهب الحنفي والمالكي.
1_1: المذهب الحنفي
ينسب المذهب الحنفي إلى الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن روطي، وأصله فارسي ولد وعاش بالكوفة، وهو من تابعي التابعين ولد سنة 80 هـ وتوفي سنة 150 هـ، عاش أكثر حياته في الكوفة وامتهن تجارة الخز، لكنه مال إلى مجالس العلماء وأقبل على الفقه حتى صار إماما لمدرسة أهل الرأي بالكوفة.
189