سايح دين
الجزء ١ · صفحة ١٩٥الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
في الكوفة وامتهن تجارة الخز، لكنه مال إلى مجالس العلماء وأقبل على الفقه حتى صار إماما المدرسة أهل الرأي بالكوفة. أخذ أبو حنيفة النعمان العلم على يد عدد كبير من علماء العراق، ومكة والمدينة، وأبرزهم شيخه حماد بن أبي سليمان (ت 119/ 20 هـ) الذي لازمه حتّى وفاته، وعنه قال أبو حنيفة: «فآليت على نفسي ألا أفارقه حتّى يموت، فلم أفارقه حتّى مات». كما أخذ أبو حنيفة عن عطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى عبد الله بن عباس ونافع مولى بن عمر من أهل السنّة، وأخذ عن فقهاء آل البيت وأبرزهم الإمام زيد بن علي، والإمام جعفر الصادق. درس أبو حنيفة في بيئته الكوفة الزاخرة بالعلماء والفقهاء والمحدّثين من طوائف مختلفة من أهل السنة والشيعة وحتّى الخوارج، وقد جرّه هذا المناخ العلمي إلى علم الكلام والجدل، لكن شيخه حماد نهاه عن المجادلة وقال له: «من أراد أن يزّل صاحبه، فقد أراد أن يكفر صاحبه، فقد كفر قبل أن يُكَفِّر صاحبه … » أدرك أبو حنيفة أهمية هذا التوجيه فقال: راجعت نفسي، وتدبرت، فقلت: إنّ المتقدمين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لم يكن ليفوتهم شيء مما ندركه نحن … ثم لم ينتصبوا فيه منازعين ولا مجادلين ولم يخوضوا فيه، بل أمسكوا عن ذلك، ونهو عنه أشدّ النهي، ورأيت خوضهم في الشرائع وأبواب الفقه … تركت المنازعة والمجادلة والخوض في الكلام … ورجعت إلى ما كان عليه السلف».
رجع
3
أبو حنيفة إلى منهج السلف الصالح وانصرف إلى الفقه واستخلاص الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، كما استفاد أبو حنيفة من الموروث الفقهي الذي تركه الصحابة في الكوفة بعد تمصيرها، ومن أبرزهم علي بن أبي طالب وبن مسعود وأبو موسى الأشعري وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمامة، وأنس بن مالك غلام الرسول.
190
_القطان، مناع، المرجع السابق، ص 328 - 329.
نفسه، ص 329.
أبو زهرة، المرجع السابق، ص 348.
نفسه، ص 348.
1
2
3
4