سايح دين
الجزء ١ · صفحة ١٩٧الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
صحة الرواية، وعلى هذا الأساس فأبو حنيفة لا يقبل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا رواه جماعة عن جماعة، أو اتفق على صحته فقهاء الأمصار وهو "المشهور".
أدّى هذا الأصل أو المبدأ إلى تضييق دائر الأخذ بالحديث عند أبي حنيفة وأتباع مذهبه ودفعهم باستمرار إلى التوسع في القياس بالدرجة الأولى، ويمثل هذا الموقف من السنة عند الأحناف نقطة اختلاف بينهم وبين المالكية على وجه الخصوص. لكن أبو حنيفة ربّما يستند في موقفه هذا إلى الحديث النبوي الشريف الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنّ الحديث سيفشو عنّي، فما أتاكم يوافق القرآن الكريم فهو مني، وما أتاكم عنّي
يخالف القرآن فليس منّي، كما أن أبا حنيفة عاش في بيئة انتشر فيها الفرق المبتدعة. الأصل الثالث: الأخذ بقول الصحابة: فإن كان مالكًا يرفع مكانة قول الصحابي وفتواه إلى مرتبة الحديث ويجعل العمل واجباً بها، فإن أبا حنيفة كان يتخيّر بين أقوال الصحابة ويُعمل فيها رأيه فيختار القول الذي يراه مناسبا أو الذي يستحسنه، أمّا إذا تعلّق الأمر بقول وفتوى التابعين فإنّ أبا حنيفة يفضل الاجتهاد كما اجتهدوا. الأصل الرابع: القياس ويعني إلحاق أمر منصوص على حكمه بأمر آخر لعله تجمع بينهما، والقياس في هذه الحالة يتطلب بذل الجهد العقلي الكافي لاستنباط الأحكام وفرض الفروض واختبارها للوصول إلى العلّة التي تربط أمرًا منصوصًا عليه بآخر لم يرد فيه نص. وقد توسع الإمام أبو حنيفة في هذا الأصل ليسد النقص الذي ينشأ كنتيجة لموقفه الحذر من كثير من الأحاديث التي لم تبلغ لديه مرتبة الأخذ بها إلى جانب رفض الأخذ ببعض آراء الصحابة والتابعين، ليس على أساس الطعن فيها، ولكن على أساس حقه في الاجتهاد وإبداء
1
الرأي 3.
يعبّر وأبو حنيفة في أمر القياس عن موقف مدرسة الرأي بالعراق والكوفة على وجه الخصوص، ويختلف عن مدرسة الأثر التي يمثلها في وقته الإمام مالك في مقدار التوسع في
حديث نبوي مرسل، رواه البهيقي، في كتاب معرفة السنين والآثار، والشافعي في كتاب "الأم".
القطان، المرجع السابق، ص 332.
2
_الاجتهاد معناه بذل غاية الجهد للوصول إلى أمر من الأمور، أو هو في اصطلاح الفقهاء، بذل الفقيه
وسعه في استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية.
3 _ أو زهرة، المرجع السابق، ص 372.
192