سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
الأصل الثالث عمل أهل المدينة ينفرد الإمام مالك عن باقي الأئمة أصحاب المذاهب الفقهية السنّية بهذا الأصل الذي يقوم على أساس اعتقاد الإمام مالك بأنّ المدينة هي دار الهجرة، بها نزل الوحي، وفيها أقام الرّسول الله و وصحابته الكرام، وبالمدينة نشأ المجتمع الإسلامي الأول، وعلى هذا الأساس يكون عمل أهل المدينة، هو استمرار لسيرة النبي وصحابته الكرام، وبذلك يقدّم الإمام مالك عمل أهل المدينة على خبر الآحاد والقياس. رغم أنّ مالكًا ليس هو أوّل من أعطى عمل أهل المدينة هذه المكانة إلّا أنّه أوّل من جعل عمل أهل المدينة أصلا من أصول المناهج الفقهية، كما كان الإمام مالك يأخذ بفتاوى التابعين لكن دون أن يجعلها في منزلة قول الصحابة وقد واجه الإمام مالك عدة انتقادات بسبب تبني هذا الأصل، وقد برز ذلك في مراسلاته للإمام الليث بن سعد في مصر. الأصل الرابع المصالح المرسلة: وتعني جلب منفعة ودفع مضرّة في أمر لم يشهد له الشرع
بالإبطال ولا الاعتبار، وأنّ القياس والاستحسان يجب أن يكونا لمراعاة المصلحة. الأصل الخامس سد الذرائع: والذرائع هي الوسيلة إلى فعل غير جائز بعمل جائز، يؤدي إلى فعل محظور، وسد الذرائع في هذه الحالة إيجاد الآليات والوسائل التي تمنع الذرائع وبالتالي
—
المفاسد وتؤدي إلى جلب المصالح وقد توسع الإمام مالك في هذا الأصل لدرجة المبالغة. وبعد هذا العرض للأصول المذهبية لكلا المذهبين يتّضح لنا أصل الاختلاف بين المنهجين وحتى وإن كان يمثلان اتجاها مذهبيًا واحدًا هو الاتجاه السني، إلّا أنّ المنهج في كلا المذهبين وحتى وإن تقارب في بعض الأصول كالأخذ بالكتاب والسنّة النبوية وقول الصحابة، إلّا أنّ نقاط الاختلاف المنهجى كانت مؤثرة وأبرز مظاهرها: الاختلاف في الأخذ بالحديث والتحري عن رجاله (الرواة) والتشدد في قبول الحديث خاصة عند الإمام أبي حنيفة مقارنة بالإمام مالك، وربما يعود ذلك إلى خوف أبي حنيفة الشديد من ظاهرة الكذب على الرّسول صلى الله عليه وسلم والّتي فشت بين الفرق في العراق. الاختلاف في مفهوم وتطبيق القياس فإن كان القياس عند أبي حنيفة يخضع للرأي، فإنّ القياس عند الإمام مالك يخضع للمصلحة.
1
ينظر: الملحق رقم 06. أبوزهرة، لمرجع السابق، ص 416 - 417، القطان، المرجع السابق،
ص 348_349.
2
القطان، المرجع السابق ص ص 55 - 356.
195