الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ٢٠١

الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)

الاختلاف في الأخذ بقول الصحابة، فإن كان الإمام مالك يرفع قول الصحابي إلى مرتبة تلي الحديث النبوي الشريف فإنّ أبا حنيفة رغم إعطائه لقول الصحابة مكانة في منهجه إلّا أنّه كان يتخيّر في الأخذ بأقوالهم، فيأخذ ما يراه مناسبًا لرأيه ويدع مالا يناسبه في الرأي. كما يتميّز مذهب الإمام مالك باعتبار عمل أهل المدينة أصلا في منهجه وهذا ما يخالفه

فيه أبي حنيفة وكثير من فقهاء عصره كالشافعي والليث بن سعيد وأحمد بن حنبل وغيرهم هذا الاختلاف المنهجي بين كلا المذهبين السنيين الحنفي والمالكي انعكست آثاره على التاريخ الثقافي والسياسي لسكان بلاد المغرب الإسلامي، بحكم التواجد المؤثر لكلا المذهبين في هذه المنطقة خاصة في المغرب الأدنى والأوسط، حيث أدّى هذا الاختلاف المنهجي إلى الاختلاف في الأحكام الفقهية وبعض المواقف العقدية والسياسية كما سنرى.

إنّ تراكم نقاط الاختلاف بين الطرفين كان سببًا في تفجير الخلاف بينهما على شكل صراع مذهبي خاصة في بداية القرن الثالث الهجري، كما أنّ ميل بعض فقهاء الحنفية إلى التوسع في الحيل الشرعية قد جرّهم إلى مجاراة المعتزلة في بعض الآراء العقدية كقول بعضهم بخلق القرآن" ومهادنة الشيعة الإسماعيلية وربّما الأخذ بمذهبهم أو بعض آرائهم. ويضاف إلى ذلك التنافس على مناصب القضاء وتوسيع السيطرة المذهبية على بلاد المغرب، كلها عوامل باعدت بين الطرفين حتى وان كانت محنة محاولة فرض التشيع قد قاربت المسافة

بينهما.

لكن مهما يكن من نقاط الاختلاف والخلاف إلّا أنّ كلا المذهبين يمثلان اتجاها فكريًا إسلاميا واحدًا هو الاتجاه السني الرّافض للطرح الخارجي حتّى وإن كان في أقصى حالات الاعتدال كما هو الحال عند الاباضية، كما يرفض الاتجاه الشيعي المتطرف الذي مثلته في بلاد المغرب الإسلامي العقيدة الإسماعيلية للفاطميين. ب _ الأصول العقدية

أدّى توسع المجتمع الإسلامي في القرن الأول الهجري إلى دخول شعوب كثيرة حظيرة الإسلام، لكنّها احتفظت بجانب مهم من تراثها الفكري سواء الديني أو الفلسفي والذي أصبح مثار جدل ونقاش في الحياة الفكرية الإسلامية، كما شهد المجتمع الإسلامي بدوره تمزقا فكريا

196

ينظر: الملحق رقم 6.

1