سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
جراء الفتنة الكبرى بين الصحابة وما ترتب عنها من جدل فكري أدى إلى ظهور الفرق
الإسلامية، كالخوارج والشيعة بمختلف طوائفهم وغيرها من الفرق العقدية كالمرجئة والمعتزلة. أدّى هذا الوضع إلى كثرة الجدل في المجتمع الإسلامي سواء في المجال السياسي أو العقائدي، وانتهى الأمر بظهور علم الكلام في الإسلام، هذا العلم الذي يخوض بالدرجة الأولى في مسألة العقيدة.
إنّ الأصل في عقيدة أهل السنّة هو رفض الخوض في الجدل والعقائد كما هو معروف عند الصحابة والتابعين وهذا ما أشار إليه أبو حنيفة عندما أشار إلى أنّ الصحابة والتابعين لم ينتصبوا في هذا الدين منازعين ولا مجادلين وإنّما أمسكوا عن الخوض في الجدل حول العقائد ونهوا المسلمين عن ذلك.
وعلى نفس النهج سار الإمام مالك بن أنس في رفضه للخوض في الجدل وعلم الكلام والعقائد، وهو نفسه التوجه الذي تبنّاه الإمام أبو حنيفة و الأوزاعي وسائر كبار علماء السنة في صدر
الإسلام. لكن رغم هذا الموقف السني الرّافض للخوض في الجدل وعلم العقائد إلّا أنّ ظروف الصراع المذهبي والعقائدي في هذه الفترة اقتضت تحديد آراء ومواقف علماء السنة من القضايا المطروحة للنّقاش حتّى لا تفسد الفرق الكلامية عقائد المسلمين. فكان لفقهاء السنة رغم الرّفض المبدئي مواقف واضحة من المسائل التي أثير حولها الجدل ومن أبرزها، مسألة الصفات، مسألة الإيمان، القضاء والقدر، مرتكب الكبيرة، مسألة خلق القرآن ورؤية الله تعالى يوم القيامة، وغيرها من المسائل الجدلية العقائدية.
التزم فقهاء السنة في القرن الثاني للهجرة (8 م) يتقدّمتهم الإمام أبو حنيفة، ثمّ الإمام مالك، التزموا منهج الصحابة والتابعين على أساس أخذ العقيدة من الكتاب وسنة رسول الله بدلا من تحكيم العقل المجرّد واستخدام التأويل الذي مال إليه المعتزلة والشيعة وحتى الخوارج في كثير
من المسائل.
1
ورغم التعدد المذهبي الفقهي الموجود داخل التوجه السني العام إلّا أنّ الفهم العام للقضايا والمسائل العقدية المطروح للنقاش يبدو متقاريًا وأحيانا متطابقاً، لكن هذا لا ينفي وجود بعض
أبو زهرة، المرجع السابق، ص 410.
197
نفسه، ص 348.
2