سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
ولا يعني هذا الموقف سلبية أهل الحديث في المسائل السياسية أو موالاتهم للحكام الأمويين ومن بعدهم العباسيين، وإنّما يعني عدم جنوح أهل السنة للمواقف السياسية المتطرفة، وتميزهم بموقف سياسي وسط بين حكام بني أمية ومن بعدهم العباسيين من جهة ومن جهة ثانية الفرق السياسية المعادية لهم والخارجة عنهم كالشيعة والخوارج. كما أنّ وسطية أهل الحديث في المسائل السياسية لا تعني أنّهم كانوا راضين عن الحكم الأموي أو العباسي، ولكنّهم وجدوا أنّ الخروج والثوراة ضد الحكام تؤدي إلى الفتن وكثرة القتل وتصدع وحدة الأمة، فآثروا الموقف الذي يحفظ وحدة الأمة، ويحد من سفك الدماء، لكن هذا الموقف الوسط لم يكن ليخلو من المعارضة لمظاهر الاستبداد التي تميز بها بعض حكام بني أمية أو بني العباس، أو الإعراض عنهم برفض مجالستهم أو قبول عطاياهم أو قبول تولي المناصب الإدارية والقضائية في ظل حكمهم أو تسهيل الفتوى لهم.
وتحتفظ لنا كتب التاريخ والسير بالكثير من المواقف ذات الطابع السياسي المعارض لاستبداد أمية وبني العباس ولنا في سيرة الإمام أبي حنيفة ومالك بن أنس خير مثال. بني
يروى عن الإمام أبو حنيفة أنّه قال: «لا نذكر أحدًا من صحابة الرّسول صلى الله عليه وسلم إلّا بخير» كما قال: «ولا نتبرأ من أحد من أصحاب الرسول الله ولا نوالي أحدًا دون أحد» ولهاتين المقولتين صلى الله عليه وسلم دلالة سياسية هامة خاصة إذا علمنا أنّ أبا حنيفة كانت لديه ميول سياسية مؤيدة للعلويين على حساب الأمويين والعباسيين ولكن من غير تشيع. فبالرغم من ميوله العلوية الواضحة وسيرة حياته، إلّا أنّه لم يتبرأ من معاوية بن أبي سفيان والخارجين معه على خلافة علي بن أبي طالب_كرّم الله وجهه كما فعل الشيعة خاصة
المتطرفون منهم. نظر إلى الصحابة وفي نفس الوقت نظرة واحدة دون تميز لأحد على أحد إلّا بما فضلهم به الإسلام، وهذا يعني أنّه لم يذهب إلى ما ذهب إليه الشيعة من تفضيل علي رضي الله عنه_ عن باقي الصحابة.
وبالرغم من تعاطف أبي حنيفة مع زيد بن علي عند خروجه على هشام بن عبد الملك سنة 122 هـ، إلّا أنّه لم يكن من الخارجين معه، وقد عرّضه هذا الموقف المناوئ للأمويين إلى
201
بن حمدة، عبد المجيد المرجع السابق، ص 26 _ الريس، ضياء الدين المرجع السابق، ص 82.
1
2