الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ٢٠٧

الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 63 هـ)

الامتحان، خاصة لما رفض أن يلي لبني أميّة عملا وأصرّ على موقفه، فتعرض للضرب والسجن حتّى أشرف على الهلاك.

2

ولما استقر الأمر لبني العباس أعلن أبو حنيفة بيعته لأبي العباس وخطب قائلاً: «الحمد لله الذي بلّغ الحق من قرابة نبيه لو وأمات عنّا جور الظلمة وبسط ألسنتنا بالحق … » لكن العلاقة ساءت بين أبي حنيفة والعباسيين إثر ثورة العلويين ضد أبناء عمومتهم من العباسيين وذلك بقيادة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم، وخروجهما على أبي جعفر المنصور

سنة 145 هـ.

أبدى أبو حنيفة رأيه المؤيد للعلويين والمنتقد للعباسيين في دروسه من دون أن يكون من الخارجين عنهم أي بني العباس وهذا ما دفع المنصور إلى تتبع دروسه وفتاويه حتى امتحانه لما دعاه لمنصب القضاء، فأبى أبو حنيفة وأصرّ على ذلك كما فعل مع الأمويين من قبل وقال

للمنصور: «لو هدّدتني أن تغرقني في الفرات أو أن ألي الحكم لاخترت أن أغرق … ». رد المنصور بأن عذَّب أبي حنيفة حتّى أشرف على الهلاك ومنعه من الدرس والإفتاء، ومات أبو حنيفة بعد ذلك بقليل سنة 150 هـ، وآراء ومواقف الإمام مالك لا تختلف كثيراً عمّا ذهب إليه الإمام أبو حنيفة.

فالإمام مالك عاصر بدوره أواخر عهد الأمويين وبداية عهد العباسيين وكان يرفض رفضا قاطعا الخروج عن الحاكم إلّا في حالة قصوى وهي معصية الله عزّ وجلّ، ويستند هذا الموقف إلى الخلفية التاريخية للفتن التي كانت تعصف بالمسلمين، هذه الفتن الّتي فتحت المجال واسعاً للقتل والمظالم وكانت أشد على المسلمين من الحكام المستبدين لذا كان الإمام مالك يعتقد أنّ الحاكم العادل قد يصلح حتّى وإن كان اختياره لم يتم وفق مبدأ الشورى، وكثير ما كان يتمثل ذلك في سيرة عمر بن عبد العزيز كرمز للحاكم العادل في ظل نظام بني على الاستبداد، هو

ملك بني أمية.

ابن الأثير، المصدر السابق، ج 5، (أحداث سنوات 122_130).

أبو زهرة، المرجع السابق، ص 266.

الهنتاني، نجم الدين المذهب المالكي بالغرب الإسلامي، طبعة تبر، الزمان، تونس، سنة 2004،

202

-

1

2

3

ص 35.