سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
وقد سئل في بداية العصر العباسي عن الخروج مع الخارجين عليهم فقال: «إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز فقاتلهم، وإلّا فدعهم ينتقم الله من ظالم بظالم». ورغم أنّ الإمام مالك كان يرفض الخروج عن الحاكم المستبد بفتنه إلّا أنّه لم يعطل السعي لتغييره وهذا واجب الأمّة كلّها وذلك من أجل مصلحة الأمة وتحقيق العدالة وحفظ الدّماء والأعراض والأموال.
2
وقد تعرض الإمام مالك للمحنة سنة 146 هـ جرّاء موقفه المؤيد نظريًا لثورة العلويين بقيادة محمد النفس الزكية سنة 145 هـ ضد أبي جعفر المنصور العباسي وسبب ذلك الحديث الّذي كان يردده في دروسه ومفاده: «ليس على مستكره يمين وكان يقصد بذلك الطعن في خلافة المنصور العباسي وبالمقابل تأييد الخارجين عنه من العلويين، لأن بيعة المنصور أخذت كرهاً. امتحن الإمام مالك وضرب بالسياط وعذب حتّى انخلعت يده من كتفه، لكنه لم يكن من الخارجين ولا الداعين إليه، ممّا دفع المنصور إلى الاعتذار إليه في أحد مواسم الحج. أما فيما يتعلق بموقفه من الصحابة فإنّه سار على نفس النهج الذي سبقه إليه الإمام أبو حنيفة وكبار فقهاء الحديث من الصحابة والتابعين فكان الإمام مالك يقرّ عمل الخلفاء الراشدين أجمعين، ويرفض القدح في صحابة رسول الله، كما كان يعتقد أنّ الخلافة يجب أن تكون في قريش وليس في البيت الهاشمي أو العلوي كما كان الإمام مالك يعتقد أنّ الشورى والبيعة من الشروط الأساسية في بناء نظام حكم وفق تعاليم الإسلام وسيرة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين_. هذه بعض معالم الرؤية السياسية السنية التي عبّر عنها الإمام أبو حنيفة والإمام مالك في القرن الثاني الهجري وهذا قبل أن تتبلور النظرية السياسية السنية التي ستبرز بشكل واضح في القرن الثالث الهجري ويتخذ لها فقهاء السنة بابًا أو فصلا خاصا بها.
فقط 4.
1
أبو زهرة، المرجع السابق، ص 406.
_2
3
كان العباسيون في بداية عهد المنصور يكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة، فجاء ردّ الإمام
مالك ليس على مستكره يمين. أبو زهرة، المرجع السابق، ص 407. أبو زهرة، المرجع السابق، ص 412.
4
203