سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
القرن الثالث الهجري كان الهدف منها هو إبراز الدور التاريخي للأئمة الرستميين الإباضيين، إلا أنها حفلت بإشارات مهمة سنوظفها للتعرف على الوجود التاريخي والمتقدم للسنة حنفية ومالكية في المغرب الأوسط في عمق المجتمع التاهرتي الاباضي. ومن أهم الإشارات الدالة على الوجود السني قول بن الصغير في خضم حديثه عن سيرة الإمام الأول عبد الرحمن بن رستم (160_171 هـ): «ليس أحد ينزل بهم الاباضية في (تاهرت من الغرباء، إلّا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم … حتّى لا ترى دارًا إلّا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي وهذا مسجد القرويين ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين وهذا مسجد الكوفيين. ولهذه التسميات أبعادها المذهبية المحددة في عرف الفقهاء في هذه الفترة، فالكوفيون كان يقصد بهم الحنفية، والقرويين كان يقصد بهم المالكية، أمّا البصريين فهم بين أهل الاعتزال والتشيع، حتى وإن كان فيهم من كان سنياً على منهج الحسن البصري (ت 110 هـ).
« …
عاش السنّة في كنف الدولة الرستمية الأباضية في جو من السلام والتسامح الديني خاصة في تاهرت ولم تتغير الأمور إلا في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، حيث اضطربت أحوال تاهرت السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، مما انعكس على العلاقات الاجتماعية والفكرية المذهبية، فانتشرت الفتن والحروب، وبرزت النزاعات القبلية والمذهبية خاصة بعد حادثة مقتل شخصية مهمة من أصول عربية على ما يعتقد وهو بن عرفة في فترة حكم الإمام أبي بكر بن أفلح" (158_261 هـ). ومما يؤشر على انتماء بن عرفة إلى العرب ما ذكره ابن الصغير عن موقف العجم 3، الذين استغلوا القتال بين الأباضية وحلفائهم الرستميين من جهة والعرب وحلفائهم من الجند ومواليهم وأتباعهم، رغم الطابع العرقي للنزاع بين الرستميين من جهة والعرب والجند من جهة ثانية إلّا أننا لا نستبعد وجود خلفيات مذهبية في هذا الصراع الذي صوره لنا بن الصغير وكأنه صراعاً عرقيا وربما يكون هذا الصراع يحمل كلا الوجهين العرقي والمذهبي.
2
3
4
1 _ ابن الصغير، المصدر السابق، ص 36
—
نفسه، ص ص 77 - 80.
العجم: يقصد بهم العناصر العرقية غير البربرية والغربية، ومنهم الفرس، بقايا الروم، الأفارقة.
ابن الصغير المصدر السابق، ص ص 79_84.
6
215