الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ٢٢٢

الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)

لكن وجود المذهب الحنفي تراجع وبشكل واضح في القرن الرابع الهجري (10 م) في إفريقية وبلاد المغرب الأوسط بفعل الاضطهاد المسلط على أهل السنة فى ظل الدولة الإسماعيلية الفاطمية، فتحول بعض الأحناف إلى المذهب الشيعي وبعضهم مال إلى المذهب المالكي ولم يبقى إلّا القلّة من الأحناف الأوفياء في منطقة تهودة (سيدي عقبة) بالمغرب الأوسط، حسب ما ذكره البكري في أواخر القرن الخامس الهجري.

ج المذهب المالكي في بلاد المغرب الأوسط

وصلت تأثيرات المذاهب الفقهية السنية إلى بلاد المغرب الإسلامي في حدود منتصف القرن الثاني الهجري، وحتّى وإن كان المذهب الحنفي سباقا إلى إفريقية وبلاد المغرب الأوسط، إلّا أنّ المذهب المالكي لم يتأخر طويلا بحكم ارتباط بلاد المغرب كباقي البلاد الإسلامية بالبقاع المقدسة في شبه الجزيرة العربية وبالتحديد بمكة والمدينة المنورة، هذه الأخيرة التي قضى فيها الإمام مالك بن أنس معظم حياته واتّخذها مركزاً أساسيًا لنشر مبادئ مذهبه الفقهي، اتصل أهل المغرب بالإمام مالك بن أنس بحكم رحلة الحج وزيارة البقاع المقدسة، كما كان طلاب العلم يفدون إليه من بلاد المغرب، وكانوا يحضون بعنايته واهتمامه

النجباء منهم.

بهم

خاصة

أدى تواصل فقهاء المغرب الإسلامي بالإمام مالك في المدينة إلى تأثير منهجه الفقهي عليهم وبشكل قوي مما دفع بعض الفقهاء وأبرزهم الإمام سحنون إلى محاولة تقمص شخصية الإمام مالك والالتزام بأقواله وأفعاله وسلوكياته.

وقد كان لموقف سحنون وهو من كبار علماء إفريقية والمغرب في عصره دورًا أساسيا في نشر منهج الإمام مالك الفقهي، وهذا قبل أن يظهر مصطلح المذاهب الفقهية.

انتشر المذهب المالكي في بلاد المغرب والأندلس بشكل واسع خاصة في أواخر القرن الثاني وعلى مدار القرن الثالث الهجري، واستطاع الصمود بألم أمام التوسع المذهبي الشيعي في القرن الرابع الهجري مما مكنه من أن يسود بلاد المغرب في القرون اللاحقة.

إن المتتبع لتاريخ المذهب المالكي في هذه المرحلة يستطيع أن يميز ثلاث مراحل أساسية مرّ بها المذهب المالكي فى فترة الدراسة الّتي تشمل الفترة الممتدة من القرن الثالث حتّى

1 _ البكري، المصدر السابق، ص 73.

217