سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ) لقد أدّى غياب سلطة قوية ذات توجه مذهبي محدد في محدد في أجزاء واسعة من بلاد المغرب الأوسط إلى انتشار واسع لمختلف الاتجاهات المذهبية حتى غدا المغرب الأوسط في القرن الثالث الهجري يشبه الفسيفساء من حيث تعدد وتنوع المذاهب فيه. ومن أولى الإشارات الواضحة على وجود المذهب المالكي في بلاد المغرب الأوسط، ما ذكره ابن الصغير في وصفه لتاهرت في عهد حكم عبد الرحمن بن رستم (160_171 هـ)،حيث ساد الأمن والاستقرار والرخاء وحلّ بها المهاجرون، وتنوعت فيها الأعراق والمذاهب، وتوسع فيها العمران إلى أن يقول: «حتى لا ترى دارًا إلّا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين وهذا مسجد الكوفيين … ».
وما
يهم في
هذا المجال هو مصطلح القروي والقرويين وهو نسبة إلى القيروان، التي ساد فيهم المذهب المالكي لدرجة أنّ إسم القروي أو القيرواني أصبح في عرف الفقهاء يعني المالكية. كما أشار بن الصغير إلى وجود المالكية بمصطلح "الحجازيين والّذين كان يقصد بهم أتباع الإمام مالك الذي كان يقيم في الحجاز بالمدينة المنورة، فكان أتباعه يلقبون أحيانا بالحجازيين، ورد ذكر هذا المصطلح في حوار بين بن الصغير ورجل من قبيلة هوارة يدعى سليمان ويكنّى بأبي الربيع الذي قال لابن الصغير: «من أين زعمت وزعم أصحابك وغيرهم من الحجازيين والعراق»، جاء هذا الحديث في وصف بن الصغير للحياة الثقافية في أواخر عهد الدولة الرستمية وبالتحديد في فترة إمامة أبي حاتم يوسف بن محمد (281_294 هـ). إنّ هذه الإشارات التي تركها لنا بن الصغير في روايته التاريخية دلّت على الوجود التاريخي للمذاهب السنية سواء الحنفية أو المالكية في عمق المجتمع التاهرتي ومنذ المراحل الأولى لتأسيس الدولة الرستمية وبالتحديد منذ عهد عبد الرحمن بن رستم (160_171 هـ) حتّى أواخر عهدها في فترة إمامة أبي حاتم في أواخر القرن الثالث الهجري. وبعيداً عن رواية بن الصغير، تذكر لنا كتب الطبقات المالكية شخصيات مهمة في الحياة الفكرية فى تاهرت، ولعل أبرزها الشاعر والمحدث الفقيه بكر بن حماد الزناتي التاهرتي
1
3
علاوة عمارة، دراسات في التاريخ الوسيط للجزائر والغرب الإسلامي، طبعة ديوان المطبوعات
الجامعية، الجزائر 2008، ص 127_139
2 _ ابن الصغير، المصدر السابق، ص 36.
ابن الصغير المصدر السابق، ص 118.
6
225