الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ٢٣٤

الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)

ولهذا النص دلالة مزدوجة، فهو يعني من الناحية المذهبية تخلي زناتة في غرب المغرب الأوسط، أي من شلف حتّى المغرب الأقصى عن المذهب الخارجي سواء كان إباضيا أو صفريًا، أمّا من الناحية السياسية فيعني تحول الولاء لهذه القبائل في غرب المغرب الأوسط إلى الأدارسة وحتى الأمويين في الأندلس، ومما يؤكد ذلك بقاء هذه المناطق خارج إطار نفوذ الدولة الرستمية سواء في القرن الثاني أو الثالث الهجريين. مكث إدريس الأصغر (الثاني) في تلمسان ثلاث سنوات، ثم غادرها بعد أن ولّى عليها بن عمه محمد بن سليمان، وقد كان لهذا الأمر أثر بالغ الأهمية في التحول المذهبي في غرب وشمال المغرب الأوسط، حيث أدّى توسع الأدارسة في غرب المغرب الأوسط واتخاذهم لتلمسان كقاعدة ثانية لملكهم إلى تراجع واضح للمذاهب الخارجية سواء الصفرية أو الإباضية من جهة، أما من جهة ثانية فإنّ هذا التوسع قد فتح المجال في المغرب الأوسط لتوسع نفوذ العلويين وإقامة عدة إمارات علوية غطت مساحات واسعة من شمال وغرب المغرب الأوسط، هذه الإمارات التي وإن تميزت بنزعتها الزيدية إلّا أنّها كانت في الأساس سُنية خاصة من الناحية الفقهية، أمّا من الناحية السياسية فقد كانت علوية زيدية، وقد سبق لنا مناقشة هذه المفاهيم في الفصل الثاني من هذه الدراسة.

هناك عدة شواهد تاريخية تؤكد التوجه السني عند الأدارسة ومن ورائهم الإمارات العلوية التي حكمت مناطق واسعة من المغرب الأوسط خاصة الإمارات العلوية من الفرع السليماني وأهم مدنها تلمسان، لكن في نفس الوقت هذه الشواهد التاريخية لا تنفي إيمان العلويين بحقهم في الخلافة والملك، وهذا ما ذهب إليه الزيدية الذين أجازوا إمامة المفضول مع وجود الأفضل، لكنهم لم يذهبوا مذاهب غلاة الشيعة من الإمامية الإسماعيلية. أمّا من الناحية الفقهية فإنّهم كانوا من أهل السنة والجماعة وهذا ما صرّح به إدريس الأصغر في خطبته عندما استحدث مدينة فاس فقال: «اللهم اجعلها دار علم وفقه يتلى بها كتابك، وتقام بها حدودك واجعل أهلها متمسكين بالسنة والجماعة ما أبقيتها».

1

2

بن معمر، محمد، العلاقات السياسية و الروابط الثقافية، ص 321. السنوسي، علي الخطابي الإدريسي، الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية طبعة، مطبعة الشباب، مصر، 1349 هـ، ص 73. السلاوي، المصدر السابق، ج 1، ص 167.

229