سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٥٠الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
استمر الوضع على حاله فيما يتعلق بالنشاط الدعوي للشيعة واتخذ طابعا فكريا محضا في الفترة التي حكم فيها المعز الفاطمي بلاد المغرب (341 - 361 هـ)، فهدأت الأوضاع السياسية والاجتماعية وانتعشت الحياة الثقافية، ويعكس كتاب مجالس الدعوة للقاضي النعمان جانبا مهما من الحياة الثقافية في هذه المرحلة، وإن كان من منظور شيعي إسماعيلي استمر هذا الوضع حتى رحيل الفاطميين إلى المشرق سنة 361 هـ واستخلافهم للزيريين على بلاد المغرب. 2 - 3: الفترة الثالثة (361 - 440 هـ). سمحت الظروف المستجدة للمالكية باستعادة نشاطهم الفكري واتخذ الصراع المذهبي طابعا فكريا أغنى الحياة الثقافية بانتشار مجالس التعليم، المناظرات وحركة التأليف فبرز من المالكية علماء سيكون لهم بالغ الأثر في تطور الحياة الثقافية في بلاد المغرب بصفة عامة، ولعل أبرزهم في إفريقية "أبو الحسن علي بن محمد بن يخلف المعافري القروي المالكي، الملقب بالقابسي" (ت 403 هـ) الذي عرف بكثرة طلبته وتآليفه التي كانت تقرأ في مجالس العلم في بلاد المغرب، ومن أشهر طلبته، أبو عمران الفاسي
ثم بن أبي زيد القيرواني " (ت 386 هـ)، أما في المغرب الأوسط فقد برز في تلمسان في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري الشيخ "الداودي" (ت 402 هـ). كما أدت هذه الظروف بالمالكية إلى استعادة نشاطهم المذهبي في مواجهة التشيع، وربما وجد الزيريون في هذا النشاط المعادي للتشيع الإسماعيلي أداتهم الأساسية والفعّالة للتخلص التدريجي من التبعية للفاطميين، لم يظهر هذا الموقف طفرة واحدة، وإنما ظهر بشكل تدريجي خاصة في أواخر القرن الرابع الهجري ومطلع القرن الخامس. من أبرز مظاهر هذا التحول المذهبي تغاضي أمرائها عن بعض المضايقات التي بدأت تطال الشيعة منذ مطلع القرن الخامس الهجري، ففي سنة حمّاد 405 هـ تغاضى عن اضطهاد الشيعة (الرافضة) في دولته من قبل المالكية، ويبدو أن حمّادا استهدف من وراء ذلك قطع روابط التبعية للزيريين في القيروان ومن ورائهم الفاطميون في مصر، وبالمقابل أراد أن يبني دولته الجديدة على أساس الانسجام مع قاعدتها الشعبية ذات التوجه السني المالكي.
أبو عمران موسى بن عيسى الملقب بالفاسي ولد سنة 356 ه بفاس توفي بالقيروان سنة 430 ه، فقيه ومحدث مالكي أسهم بدور فعّال في ظهور حركة المرابطين في بلاد المغرب في القرن 5 هـ. شحادة، رضا محمد سالم، مقدمة كتاب "الأموال" للإمام الداودي، ص 6.
245