سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٥٣الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
لا شكّ أنّ انتشار المذاهب الحنفي في إفريقية والمغرب الأوسط كما مر بنا في بداية هذا الفصل كان يتم بتوظيف منهج وفتاوي أبي حنيفة وكبار علماء هذا المذهب سواء بالمشرق أو المغرب وهذا ما يدفعنا إلى الاعتقاد أنّ هذه الأفكار والمناهج شكلت عنصرا أساسياً في تطور الحياة الفكرية والثقافية فى بلاد المغرب الأوسط خاصة في المناطق التي وجدت بها السنّة
خاصة الحنفية منهم.
ومما يجب الإشارة إليه هو أنّ علماء المذهب الحنفي كان لهم دور أساسي مهيمن على الحياة الفكرية في إفريقية وبلاد المغرب الأوسط في الفترة الممتدة من النصف الثاني من القرن الثاني الهجري وحتّى النصف الأول من القرن الثالث الهجري، هذا وإلى جانب هيمنتهم على مناصب القضاء والإفتاء في ظل الدولة الأغلبية (184_296 هـ).
أمّا المالكية فقد اتخذوا من كتاب "الموطأ" للإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ) مصدراً أساسياً في حياتهم الفكرية، ومن أبرز العلماء الذين رسخوا هذا المفهوم في عقول وسلوك أهل المغرب بصفة عامة، الإمام سحنون بن سعيد (ت) 240 هـ)، خاصة بعد رحلته إلى المشرق وتصحيحه للأسدية، وجمعه لفتاوي وآراء الإمام مالك في كتابه "المدونة" والتي رواها عن بن القاسم بمصر، بعد وفاة الإمام مالك. يعد الإمام مالك وكتابه "الموطأ"،ثم الإمام سحنون بن سعيد ومدونته الكبرى في الفقه المالكي، المرجعيات الأساسية التي قامت على أساسها الحياة الفكرية عند المالكية من أهل السنة خاصة في بلاد المغرب. ولتوضيح الصورة أكثر يجدر بنا التّعريف "بالموطأ" وإبراز مكانته كمصدر أساسي في الحياة الفكرية لدى المالكية، كما تعد مدونة الإمام سحنون عنصراً فعّالا في مسار التطور الفكري لأهل السنّة خاصة المالكية منهم في بلاد المغرب الإسلامي بصفة عامة وبلاد المغرب الأوسط
بصفة خاصة.
1
1_الموطأ:
كتاب فقه وحديث ألّفه الإمام مالك في أربعين سنة حسبما ذكر القاضي عياض، وكان يدخل عليه التغييرات باستمرار ويسقط منه بعض الأحاديث لضعفها، حتّى تراجع عدد الأحاديث فيه إلى ما دون الألفي حديث، بعد أن كان يحوي عشر آلاف حديث.
القاضي عياض، المدارك، ج 1 ص 193. الهنتاني، المرجع السابق، ص 191.
248