الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ٢٥٤

الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)

أدت هذه المراجعات للموطأ من قبيل الإمام مالك إلى اختلاف رواياته وتعددها حيث ذكر القاضي عياض أنّها بلغت العشرين رواية وربما الثلاثين، ومن أبرز وأهم الروايات التي وصلت إلى بلاد المغرب نذكر رواية علي بن زياد التونسي (ت 183 هـ / 799 م)، ورواية بن القاسم (ت 191 هـ / 806 م) ورواية محمد بن الحسين الشيباني (ت 189 هـ /804 م) وهو حنفي، ثمّ رواية يحيى بن يحيى الليثي (ت 234 هـ / 804 م). تعتبر رواية يحيى بن يحيى الليثي للموطأ الأشهر والأكثر انتشارا خاصة في بلاد المغرب الإسلامي، لقد جاءت هذه الرواية مرتبة على حسب أبواب الفقه من طهارة وصلاة وصيام وجهاد وغيرها من أبواب الفقه.

لقد اتخذ المالكية في بلاد المغرب والأندلس من موطأ الإمام مصدرا أساسيا لاستنباط الأحكام الفقهية واعتبروه من الصحاح التي لا يمكن أن يتسرب الشك إلى الأحاديث الواردة فيها، ومنه استمدوا أحكامهم الفقهية وتأكدت حقيقة الاعتماد المفرط على الموطأ وآراء الإمام مالك خاصة بعد عودة الإمام سحنون من رحلته في أواخر القرن الثاني الهجري، فأخذ أهل إفريقية والمغرب "بمدونته" التي حاول فيها الالتزام الشديد بفقه ومنهج الإمام مالك، كما جاء في الموطأ وكما أخذه عن ابن القاسم (عبد الرحمن (ت 191 هـ) في مصر، وهو آنذاك أبرز تلاميذ الإمام مالك.

رغم أنّ الإمام مالك دوّن الموطأ في فترة متقدمة من تاريخ دراسة الحديث وقبل أن توضع قواعد ضبط علم الحديث وشروط الصحة فيه، إلّا أنّ الإمام مالك سلك منهج التحري والتوخي وانتقاء الصحيح من الحديث وهذا ما أدّى إلى تراجع عدد الأحاديث المروية في الموطأ من عشرة آلاف حديث إلى أقل من ألفي حديث، كما هو الأمر في رواية يحيى بن يحيى الليثي. ولا شكّ أنّ هذه الدّقة هى التى أعطت تلك المصداقية والقيمة العلمية للموطأ في نظر أهل المغرب وحتّى عند الإمام الشافعي الذي قال عنه: "ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابا من

1

_مالك بن أنس، موطأ الإمام مالك، رواية يحيى بن يحيى الليثي، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت،

ص 193، ص ص 627_638.

249