سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٦١الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
من أبرز مظاهر استقلاليتها المذهبية انفتاحها المبكر على المذهب المالكي وتغاضي أمرائها عن بعض المضايقات التي بدأت تطال الشيعة منذ مطلع القرن الخامس الهجري، ويشير بن خلدون في هذا الصدد إلى أن حمّاداً خرج عن طاعة باديس في إفريقية، كما قتل الرافضة وأظهر السنة، ترضى عن الشيخين، وبالتالي خرج عن طاعة العُبيديين، وأعلن طاعة العباسيين حدث هذا التحول سنة 405 هـ 1.
ويبدو أن الحماديين قد حسموا موقفهم المذهبي من التشيع والتبعية للفاطميين من عهد مبكر، لكن الظروف السياسية بلاد لم تكن تسمح لهم باتخاذ قراراهم هذا إلا سنة 419 هـ، في عهد القائد بن حمّاد وبعد أن استندوا إلى قاعدة شبعية متماسكة قوامها أهل السنة من المالكية، كما أن الدولة الحمادية كانت قد امتلكت في هذه الفترة أسباب الدّفاع عن وجودها من الناحية السياسية العسكرية وحتى الاقتصادية.
أدى التوجه الجديد لحكام القلعة الحماديين إلى نشأة حاضرة علمية واقتصادية هامة في المغرب الأوسط منذ مطلع القرن الخامس الهجري، كما توسعت في القلعة حركة التعليم وبنيت بها المساجد وأصبحت داراً للفقهاء والمحدّثين من المالكية، وقد استفادت القلعة من حركة الرّحلة التي كانت تعبر بلاد المغرب الأوسط، فوفد عليها العلماء والمحدّثون والفقهاء من مختلف بلاد المغرب وحتّى الأندلس، وفي هذا الصدد يصفها بن خلدون بقوله: فاستبحرت في العمارة واتسعت في التمدن، ورحل إليها من الثغور والقاصية والبلد البعيد طلاب العلوم وأرباب الصنائع … 2.
من أبرز المناطق التي هاجر علماؤها إلى القلعة القيروان خاصة بعد تراجع مكانة دولة المعز بن باديس الصنهاجي إثر هزيمته في مواجهة عرب بني هلال سنة 442 هـ في معركة حيدران الشهيرة، وقد ذكر ذلك البكري القلعة بقوله: " هي قلعة كبيرة ذات منعة وحصانة تمصرت عند
خراب القيروان …
41
256
- العبر، ج 6، ص 228.
نفسه، ص 226.
نفسه، ج 6، ص 21.
البكري، المصدر السابق، ج 2، ص 710.
1
2
3