سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٧٢الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)
لكن هذه المرحلة لم تكن مثالية في نهايتها، بل يبدو أنّها كانت أكثر واقعية، و يبدو ذلك جليا عندما يتظاهر عبد الرحمن بن رستم باقتفاء سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في اختيار مجلس للشورى يختار من بينهم الخليفة. فكان من أبرز رجالات مجلس الشورى الذي اختاره عبد الرحمن بن رستم لما أحس بدنو أجله إبنه عبد الوهاب، هذا الأخير الذي لاشك أنّه سيوظف مجد أبيه ونفوذه السياسي والاجتماعي وربّما حتّى ثروته لاستخلاف أبيه وهذا ما حدث بالفعل. لكن رغم ما كان يتوفر عليه عبد الوهاب من امتيازات داخل المجتمع الأباضي الفتي، إلّا أنّ الأغلبية مالت لشخص يدعى مسعود الأندلسي.
تحاول المصادر وحتّى المراجع الأباضية تبرير هذا الانتقال على أنّه أمر طبيعي لم يخرج عن إطار مبدأ الشورى، لكن الحقائق التاريخية تنفي ذلك، ولنا في موقف أحد الشخصيات الاباضية البارزة خير دليل ونقصد بذلك موقف يزيد بن فندين الّذي تزعم الفئة المعارضة لفكرة توريث الإمامة.
أدى هذا الحدث إلى بداية حدوث الانفصام لدى الأباضية بين المبدأ النظري والواقع السياسي المفروض، وانشقت الجماعة السياسية الاباضية إلى "نكّار" وهم أتباع يزيد بن فندين، متمسكين برفض توريث الإمامة وحق الجماعة الاباضية في ممارسة الشورى، كما أنكروا احتكار فئات معينة للقرار السياسي الذي استأثر به الرستميون وحلفائهم التاريخيين من قبيلة
نفوسة.
أما أنصار توريث الإمامة فسيعرفون "بالوهبية " نسبة إلى عبد الوهاب بن رستم، رغم أنّ هناك من كتاب الإباضية من يحاول ربط هذه التسمية بعبد الله بن وهب الراسبي الزعيم
التاريخي للاباضية بالمشرق في القرن الأول الهجري، إلاّ أن هذا الربط ليس واقعيا. رغم ما حققته الدولة الرستمية من قوّة وتوسع في عهد عبد الوهاب بن رستم (171_208 هـ) وكذا في عهد ابنه أفلح بن عبد الوهاب (208_258 هـ)، إلّا أنّ أسباب التفكك السياسي
2
3
أبو زكرياء المصدر السابق، ص 86. إسماعيل، محمود المرجع السابق، ص 265.
نفسه، نفس الصفحة.
4 ابن الصغير، المصدر السابق، ص 43.
267