الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ٢٧٣

الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)

والمذهبي سرت في المجتمع الاباضي الذي أصبح منقسماً إلى فئتين أساسيتين هما أنصار الرستمية وتوريث الحكم في مواجهة النكار أنصار العودة إلى مبدأ الشورى في اختيار الحاكم. ويبدو أنّ الإقصاء الذي تعرّض له النكّار في النصف الأول من القرن الثالث الهجري قد دفعهم إلى المزيد من التشدد في مواقفهم السياسية والمذهبية، ويظهر ذلك جليًّا في ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد ضد الفاطميين في القرن الرابع الهجري. إنّ الخيار السياسي الذي تبناه الرستميون في إمامتهم جعلهم ينفتحون على فيئات مذهبية أخرى، كان في مقدمتها أهل السنّة سواء من الأحناف أو المالكية، وقد حضيت هذه الفيئات حتى مطلع النصف الثاني من القرن الثالث الهجري بمكانة محترمة في المجتمع التاهرتي، كما أمنت على أرواح أهاليها وأرزاقهم حتى أصبح المجتمع التاهرتي نموذجاً للتسامح المذهبي والتعايش الطائفي.

تحول نظام الحكم في الدولة الأباضية الرستمية إلى النمط الملكي الوراثي، فخلف أفلح أباه في الحكم، وسار على نهج أبيه وجده، ولم تذكره المصادر إلّا بالعدل والصلاح والصرامة ولما توفي أفلح بن عبد الوهاب يبدو أنّ نفوسة لعبت دورا أساسيا في تولية ابنه أبا بكر "258 261 هـ) وهذا ما دفع أحد علماء الأباضية إلى المجاهرة برفضه مستنكرا تعطيل حق الأمة في

اختيار إمامها. لقد كان ذلك الصوت الرافض هو صوت عبد العزيز بن الأوز أحد فقهاء الاباضية ممن عرفوا بالفقه والذكاء، كما كانت له رحلة إلى المشرق طلباً للعلم.

لم يعمر حكم أبي بكر طويلا فسرعان ما ثارت ضدّه أزمة مقتل ابن عرفة، هذا الأخير الذي تعود أصوله العرقية إلى العرب، وقد كان شخصية هامة في المجتمع التاهرتي حسبما يصفها لنا بن الصغير 3.

اتهم

الإمام أبا بكر بمقتله، فكان ذلك بداية لعهد طويل من الصراع العرقي والمذهبي بين القبائل والطوائف في تاهرت وضواحيها هذا الصراع الذي يبدو أنّه أنهك الدولة الرستمية سياسيا وعسكريا ومزّقها اجتماعياً ومذهبياً.

1

2

3

نفسه، ص

ص 61_62.

6

ابن الصغير المصدر السابق، ص 70.

نفسه، ص 72.

268