الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ٢٧٤

الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)

حاول الإمام أبا اليقضان محمد بن أفلح (261 - 281 هـ)، إعادة ترميم ما هدّمته الفتن والانحرافات السياسية، إلّا أنّ الأمور عادت إلى الفوضى والصراعات ذات الأوجه المختلفة مما سهل نهاية الدولة الرستمية على أيدي العبديين سنة 296 هـ.

رغم ما لحق بالتجربة الأباضية من الناحية السياسية من مظاهر الفشل والانحراف عن المبدأ النظري، إلّا أنّها كانت تجربة سياسية أولى، بالنسبة لبلاد المغرب الأوسط والاباضية فيها، ساهمت هذه التجربة في نشأة و تبلور نوع من الوعي الذاتي بالكيان المتميز لبلاد المغرب الأوسط، رغم أنّ هذه الصورة لم تكتمل في هذه الفترة المبكرة من التّاريخ الإسلامي، إلّا أنّ هذا التوجه تدعم بتجارب لاحقة عززته ومهدت لظهور الدولة الحمادية، فالزيانية. كما لا يفوتنا أن نشير إلى أن التجربة الأباضية في المغرب الأوسط كانت تستلهم كثيراً من الأفكار السياسية والتنظيمات الإدارية من الأمويين السُنة وحتى أعدائهم التقليديين من العباسيين وذلك لأنّ الرستميين دائماً كانوا يدركون أنّهم جزءاً من الدولة الإسلامية حتى وإن خالفوها في

المبدأ السياسي. لكن مهما يكن فإنّ التجربة السياسية للدولة الرستمية في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري كانت مؤلمة وفاشلة ويعبر عن ذلك قول أحد أبرز رجالاتها عند انهيارها وهو "يعقوب بن أفلح" (ت 310 هـ)، مخاطباً إخوانه في المذهب حيث قال: "افترقوا، فقد انقضت أيامكم وزال ملككم ولا يعود إلى يوم القيامة" 2. يبدو أنّ هذا الحكم كان متشائما وقاسياً، ولكن سير التاريخية في بلاد المغرب أكّد ذلك حتّى الآن.

2 - التجربة الإباضية الثانية.

الأحداث

لم يتوقف مسار التجربة السياسية عند الأباضية بسقوط الدولة الرستمية، بل تجدد من خلال تجربتين أساسيتين نشأتا في بلاد المغرب الأوسط، خاصة في القرن الرابع والخامس الهجريين فالتجربة الأولى، هي تجربة أبو يزيد مخلد بن كيداد اليفريني النكاري الّذي ثار ضد الدولة الفاطمية الشيعية الاسماعيلية فيما بين (316 - 336 هـ).

احسان عباس المجتمع التاهرتي، في عهد الرستميين محاضرات ومناقشات الملتقى الدولي الحادي عشر للفكر الإسلامي، ورجلان، فبراير 1977، المجلد الأول، منشورات وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، ص

ص 134 - 136.

أبو زكريا يحيى بن أبي بكر، المصدر السابق، ص 189.

269