سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)
أمّا التجربة الثانية فقد قام بها الأباضية الوهبية الذين نزحوا إلى إقليم أريغ وورجلان بالجنوب الشرقي للمغرب الأوسط، ووضعوا مع بداية القرن الخامس الهجري نظاما تربويا اجتماعيا، ذو خلفية مذهبية وحتى سياسية لحماية مذهبهم من الزوال وطائفتهم من التفكك، هذا المسلك هو الذي عرف بنظام العزابة الذي وضع أسسه الأولى أحد أبرز علماء الاباضية آنذاك وهو الشيخ أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الفرسطائي " (345 - 440 هـ). بالعودة إلى تجربة النكار في القرن الرابع الهجري بقيادة أبا يزيد مخلد بن كيداد فإننا نرى أنّ هذه التجربة تندرج في إطار موقف زناتة بفرعيها الأباضي والسني في المغرب الأوسط من توسع الدولة الفاطمية الشيعية والتي تؤازرها قبائل صنهاجة المزاحمة لزناتة في بلاد المغرب الأوسط، وبهذا المفهوم فإنّ ثورة أبي يزيد في المغرب الأوسط لها أوجه مختلفة، منها ما هو سياسي نابع من روح الرفض للتوسع الفاطمي الصنهاجي في بلاد المغرب الأوسط خاصة في منطقة الهضاب العليا وغرب المغرب الأوسط وحتّى الحواف الشمالية للصحراء في المغرب الأوسط، وهذا المجال الذي اعتبرته زناتة موطنها الأصلي.
أما الوجه الآخر للصراع فهو مذهبي بالدرجة الأولى ويتمثل في رفض الاباضية وحتى السُنة للمفاهيم العقدية التي عبّر عنها الشيعة الاسماعيلين في بلاد المغرب، وحاولوا فرضها على
السكان بالقوة.
وثورة أبي يزيد التي اتسعت دائرتها في الفترة الممتدة ما بين (331 - 336 هـ) تجربة سياسية قاسية فجّرها الأباضية من الاتجاه النكاري، وجروا إليها إخوانهم من الوهبية، ثمّ السنة خاصة
فقهاء المالكية وحتّى بنو يفرن بقيادة بني خرز وهم سنّة زناتة في غرب المغرب الأوسط. أبرز ما يستوقفنا في هذه التجربة من الناحية السياسية، أنّها تجربة استطاعت أن تقيم تحالفاً سياسياً بين طوائف مذهبية مختلفة كانت متصارعة لمدّة زمنية طويلة، فقد تمكنت الثورة في بدايتها من التقريب بين النكار والوهبية من الأباضية من جهة، كما قرّبت المسافة بين الأباضية والسنة، وأكدت أنّ أمر التقارب السياسي وحتّى المذهبي بين هذه الطوائف ممكن، لكن يحتاج إلى بعض المراجعات الفكرية، وبقدر ما تكون عميقة تكون مثمرة وقابلة للاستمرارية وقادرة على خلق جو من التعايش والتقارب المذهبي.
الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 168 وما يليها.
2 ابن خلدون، العبر، ج 4، ص 52 - 56.
270