سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)
أما الملاحظة الثانية، فتتمثل في طابع العنف والقسوة الذي تميزت به حرب النكار ضد خصومهم وحتى حلفائهم أحيانا عند الاختلاف مما يذكرنا بنزعة العنف عند أوائل الخوارج. لكن فشل ثورة أبي يزيد النكاري سنة 336 هـ أدّى إلى نتائج خطيرة مست جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية وحتى الحضارية في بلاد المغرب الأدنى والأوسط بالدرجة الأولى، وذلك لطابع القسوة والدّمار الذي تميز به هذا الصراع. كما أدّت سياسة أبي يزيد إلى انهيار الحلف السياسي بينه وبين أهل السنة وعمقت الخلاف بين النكار والاباضية، وأدّت في النهاية إلى تراجع واضح للمذهب الاباضي بفرعيه في بلاد المغرب الإسلامي بصفة عامة والأوسط بصفة خاصة.
أحس الاباضية في المغرب الأوسط وحتّى جنوب المغرب الأدنى بخطورة الموقف على استمرارية المذهب خاصة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وهذا ما دفع فقهائهم إلى التفكير في بدائل جديدة لحماية المذهب من الاندثار، ولاشك في أنّ هذا السلوك يعبّر عن تدبير سياسي ولو بدافع مذهبي، فظهر لديهم نظام العزابة _ سابق الذكر الذي حاول بالدرجة الأولى تكوين جيل من المتعلمين المتمسكين بمبادئ المذهب الاباضى والقادرين على حمايته من الزوال، وحمل رسالته إلى أجيال أخرى وذلك بحفظ تراثه 3
تحملت ورجلان ومنطقة وادي أريغ عبء هذه المهمة واحتضنت حلقات العزابة وأقامت مجتمعا إباضياً متماسكاً، في وسط بدأ يغلب عليه الطابع العربي السني خاصة بعد وصول بني هلال إلى المغرب الأوسط في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وانتشار قبائل المعقل العربية في شمال الصحراء وتوسع المرابطين في غرب ووسط المغرب الأوسط. لم يتطلّع الاباضية في هذه الظروف إلى إقامة دولة ولكنّهم أسسوا لنظام تربوي واجتماعي كفل استمرار المذهب ووحدة الجماعة وهذه غاية السياسية عندهم في هذه الظروف، كما أنّ نظام العزابة كان يملك ولا يزال يملك الكثير من وسائل التحكم والضغط على أفراد المجتمع الاباضي
اسماعيل محمود الخوارج في بلاد المغرب، ص 246 - 247.
- الدرجيني، المصدر السابق، ج 1، ص 100.
-
- جهلان، عدون، المرجع السابق، 168 وما يليها.
4
- Golven، (L)، Le Maghreb Central، op.cit،PP، 112 - 114.
271
1
2
3