سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٨٣الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)
ومن أبرز هذه المفاهيم ما تناولناه في الفصل الخاص بالتشيع في بلاد المغرب الأوسط، ومن أبرز هذه المفاهيم الحق الإلهي في الحكم التأويل بالباطن الوصي، عصمة الأئمة، فكرة المهدي المنتظر وغيرها من المفاهيم الغامضة. لاشك أنّ هذا الغموض والتعقيد يجعل الإنسان البسيط غير قادر على مواجهة هذه المفاهيم، كما تدفعه إلى الإحساس بالعجز الّذي يجره تدريجيا إلى تسليم أمره للدعاة، الذين أعدوا لأن
يسلبوه قدرته على التفكير وتوجيهه بعد ذلك وفق الأهداف السياسية والعقدية التي ينشدونها. استطاعت الدعوة الشيعية الاسماعيلية وفي أقل من عشرين سنة أن تطيح بأهم الكيانات السياسة في بلاد المغرب الإسلامي حيث أطاحت بالدولة الأغلبية سنة 296 هـ، ثمّ زحف أبو عبد الله الشيعي على تاهرت الرستمية وأنهى وجود الدولة فيها بسهولة، كما قضى على دولة بني مدرار في سجلماسة، وفك أسر المهدي المنتظر الذي كان يدعوا إليه والملقب بعبيد الله
المهدي.
حاول الفاطميون كسب تأييد مواطنيهم من السنّة في البداية عن طريق الدعوة الدينية والسياسية، كما فتحوا مجالسهم للمناظرات الفكرية، التي كان يشرف عليها في البداية " أبا عبد الله الشيعي" وأخاه " أبا "العباس" ثم تولّى بعد ذلك هذه المهمة عبيد الله ودعاته، وكان يدعى لهذه المجالس علماء السنة من الأحناف والمالكية، وغالبا ما يدور النقاش فيها حول مسألة أحقية آل البيت بالخلافة، وتفضيل علي كرّم الله وجهه_ عن باقي الصحابة. بواسطة المناظرات وأحيانا الإغراء والتهديد تمكن الفاطميون من كسب عدد معتبر من فقهاء الأحناف إلى جانب الدولة الفاطمية الشيعية، لكنهم بالمقابل فشلوا في كسب المالكية منهم، وكثيراً ما تصدى فقهاء المالكية للسياسة المذهبية للدولة الفاطمية، إما بالمناظر أو إلقاء الدروس أو التأليف وقد كان من أبرزهم في مجال المناظرة الفقهية " أبو سعيد بن الحداد" (ت 302 هـ).
سنّ الفاطميون في بلاد المغرب سياسة مذهبية ضيّقة أدّت إلى قهر واستضعاف الطوائف والمذاهب المخالفة لهم، كما أنّ هذا المسلك جرّ فقهاء المالكية على وجه الخصوص إلى الصراعات السياسية، ودفع أهل المغرب إلى أن يدمجوا بين توجهاتهم السياسية والمذهبية حتى
1
2
البكري المصدر السابق، ص 68. ابن عذارى المصدر السابق، ج 1، ص ص 209 - 210 الدباغ، معالم الإيمان، ج 2، ص 288_290.
278