الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ٢٨٤

الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)

بعد رحيل الفاطميين وتبرز هذه الصورة بجلاء مع مطلع القرن الخامس الهجري، وكيف أنّ فقهاء المالكية لعبوا دوراً خطيراً في الصراع المذهبي، وتصفية الوجود الشيعي عن طريق عمليات التقتيل التي باشرها العامة بدعم من بعض الفقهاء سواء في إفريقية أو المغرب الأوسط منذ 405 هـ 1.

إنّ السياسة المذهبية التي انتهجها الفاطميون في بلاد المغرب وصلت تأثيراتها إلى مختلف الأقاليم التابعة لهم، وفي مقدمتها بلاد المغرب الأوسط الذي كان ساحة للصراع العسكري والسياسي والمذهبي طيلة الوجود الفاطمي في بلاد المغرب بل استمرت محنة أهل المغرب الأوسط بعد رحيل الفاطميين إلى المشرق، ولم تهدأ الأوضاع حتّى قيام الدولة الحمادية الزيرية في شرق المغرب الأوسط مع مطلع القرن الخامس الهجري وتخليها عن التشيع. أدت السياسة الفاطمية بمختلف أوجهها إلى جعل المغرب الأوسط ساحة للصراع العسكري الدامي والمدمر، سواء في مواجهة ثورة الخوارج بزعامة " أبي يزيد مخلد بن كيداد الاباضي النكاري " (331 - 336 هـ) أو في مواجهة بني يفرن من زناتة بقيادة بني خرز المغراويين طيلة القرن الرابع الهجري.

لكن رغم ما يمكن أن يؤخذ عن السياسة الفاطمية إلّا أنّها نقلت مفاهيم فكرية جديدة إلى المنطقة، حتّى وإن رفض أهل المغرب جانبًا منها، إلّا أنّهم تأثروا بها سلبا وإيجابيا، وأبرز مزايا السياسة الفاطمية أنها قامت على أساس بناء الدولة القوية المنظمة والمتماسكة، التي استطاعت وبامكانيات محدودة فرض سيطرتها على بلاد المغرب، ثمّ الزحف على مصر وجعلها مجالا لنفوذها، ثمّ التطلع لاسترجاع الخلافة من العباسيين في المشرق.

لقد كانت همة حكام الدولة الفاطمية كبيرة، كما كانت أهدافهم أكبر وليس كما كان الحال بالنسبة لدويلات المغرب الإسلامي وإماراته من الأغالبة حتّى الأدارسة مروراً بالاباضية في تاهرت الرستمية أو الصفرية في سجلماسة أو الإمارات العلوية بالمغرب الأوسط.

أما أهم إضافة حضارية جاء بها الفاطميون إلى بلاد المغرب فهي تأسيس مدينة المحمدية

سنة 313 هـ، وهي التي ستعرف بالمسيلة في منطقة الحضنة في شرق المغرب الأوسط. المسيلة التي أضحت في القرن الرابع الهجري حاضرة إسلامية مهمة في بلاد المغرب الأوسط، ونشأ بها بلاط بني حمدون الّذي اتسعت مجالسه للعلماء والفقهاء والأدباء والشعراء، ولعل

1 _ من أبرز الفقهاء المالكية الذين لعبو دورا في هذه الأحداث محرز بن خلف بن أبي رزين التونسي".

279