الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ٢٨٦

الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)

هذا الموقف المبدئي لفقهاء "الجمهور" هو الذي دفعهم إلى الاتجاه إلى المجال العلمي، الفقهي بالدرجة الأولى، وزهدهم في الخوض في مسائل الخلاف السياسي وحتى العقدي وأدّى إلى عدم وضوح آرائهم في مسائل السياسة، خاصة في القرن الأول والثاني الهجريين، كما أدّى هذا الموقف إلى تأخر ظهور نظرية سياسية سنية، حتى مطلع القرن الثالث الهجري، في حين كانت النظريات السياسية لفرق الخوارج والشيعة قد انتشرت بشكل واسع في العالم الإسلامي، ولم تحد من سطوتها إلّا قوة سلطة الخلافة الأموية ثم العباسية.

لم يكن أهل السنة فرقة سياسية أو عقدية، لكن هذا لا يعني أنّه لم تكن لهم آراء سياسية فيما كان يواجه المسلمون من خلافات وصراعات سياسية، ذلك أنّه مرّ بنا في الفصل السابق أنّ كبار فقهاء المذاهب السنية وفي مقدمتهم الإمام أبو حنيفة والإمام مالك كانت لهم مواقف سياسية واضحة خاصة فيما يتعلق بأحقية العلويين في الخلافة، حيث عُرف الإمام أبو حنيفة

2

بتأييده لثورة زيد بن علي عند خروجه على هشام بن عبد الملك الأموي سنة 122 هـ. كما عرف الإمام مالك بتأييده لمحمد النفس الزكية سنة 145 هـ والّذي ثار ضد أبو جعفر المنصور العباسي هذه المواقف المؤيدة للعلويين من طرف كبار فقهاء السنة لا يعني بأي حال من الأحوال تشيع هؤلاء العلماء، بقدر ما يعبر عن موقف سياسي متعاطف مع قضية العلويين في الحكم، هذا الأخير الذي يعتبر في رأي فقهاء السنة أمرًا ثانويًا في الدين وليس أصلاً من أصول الشريعة. هذه النظرة هي التي تبرر عزوف فقهاء السنة حتى القرن الثاني الهجري عن الخوض في السياسة والخلافات السياسية، ولاشك أنّ هذا المفهوم قد انتقل إلى بلاد المغرب الإسلامي

بانتقال هذين المذهبين إلى هذه المنطقة.

ومن الآثار البارزة لهذا التوجه زهد فقهاء بلاد المغرب بصفة عامة وحتّى المغرب الأوسط في أمور السياسة وعدم منازعتهم للحكام على المناصب ذات الطابع السياسي، بل إننا نجد أنّ فقهاء السنة اكتفوا بالسيطرة على الساحة الفكرية ذات الطابع التشريعي الفقهي، وحتّى ثوراتهم أو مشاركتهم في الثورات الشعبية كان لرد مظالم الحكام، أو دفاعاً عن مبدأ فقهي، أو عقدي كما كان الشأن في مواجهة الشيعة الفاطميين في القرن الرابع الهجري.

1

أبو زهرة، المرجع السابق، ص 265.

281

نفسه، ص 407.

2