سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)
الحال بالنسبة للإمام سحنون (ت 240 هـ) الذي قبل القضاء في عهد الأغالبة، لكن رفض الأجر والهدية وكل ما يجعله تابعاً لهم مرتبطاً بهم. إنّ المتأمل في موقف أهل السنّة خاصة في إفريقية وبلاد المغرب الأوسط يلاحظ أنّهم قضوا عدة قرون بعيدين أو مبعدين عن دواليب السياسة في الدول التي عاشوا فيها، سواء دولة اللأغالبة السنية في القرن الثالث الهجري أو دولة الفاطميين الشيعة وخلفائهم الزيريين في القرن الرابع الهجري وحتّى النصف الأول من القرن الخامس.
لكن
مع تحول الزيريين من بني حماد في المغرب الأوسط وأبناء عمومتهم في افريقية إلى المذهب المالكي يبدو أنّ فقهاء السنة خاصة المالكية منهم قد انجزوا إلى السياسة بدافع الصراع المذهبي، وأقبلوا على المناصب في الدولة الحمادية في القرن الخامس الهجري، كما أصبحوا طرفاً أساسيا في إدارة دواليب الحكم في دولة المرابطين في النصف الثاني من القرن الخامس وحتى النصف الأول من القرن السادس الهجري.
لاشك أن تجربة المالكية مع الممارسة السياسية كانت محدودة، ودرايتهم بأساليبها كذلك، وهذا ما يفسر لنا جانبا من الأخطاء التي تميز بها حكمهم في عهد المرابطين على وجه الخصوص. كما تميز الفقهاء بالتشبث الصارم بالمبدأ الفقهي في حدود الرؤية المذهبية الضيقة التي لا تتجاوز بأي حال من الأحوال ما أثر عن الإمام مالك أو فقهاء المذهب السابقين، ورفض كل ما عدا ذلك حتّى وإن صدر من علماء كبار من أهل السنة من الأحناف أو الشافعية وغيرهم. إنّ المرونة السياسية وحتّى الفكرية التي افتقدها فقهاء المالكية سادة دولة المرابطين هي التي جعلتهم يقعون في كثير من الأخطاء السياسية، التي استفاد منها المهدي بن تومرت ووظفها للإطاحة بدولة الفقهاء في بلاد المغرب. كما لا يفوتنا أن نشير إلى أن انخراط فقهاء المالكية فى السياسة قد جرّهم إلى المكاسب الدنيوية التي زادت من سطوتهم في المجتمع، كما فتحت شهيتهم للمناصب والمال والجاه وهذا ما أساء إلى تجربتهم التاريخية في القرون الأولى وسهل للموحدين تشويه صورتهم، لكن دون أن يفقدوا تأثيرهم على العامة لكن بدرجة أقل مما كان عليه الحال في عهد الحماديين وحتّى
الفاطميين والأغالبة.
284
- النجار، عبد المجيد المرجع السابق، ص 45.
نفسه، نفس الصفحة.
2
-
1