سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)
يتميز المعتزلة بهذه المبادئ الأساسية عن الفرق الإسلامية، كما قد يتقاطعون معها فيؤثرون فيها وكثيرا ما كان تأثير المعتزلة واضحاً فى عقائد الاباضية والشيعة وبدرجات أقل في أهل السنة.
ولتحقيق فهم واضح لعقيدة المعتزلة لابد من توضيح مدلول مبادئ الاعتزال ولو بشكل مختصر ومقارنتها بعقائد الفرق الإسلامية الأخرى، والوقوف على مدى تأثير هذا الاتجاه العقدي في
ثقافة بلاد المغرب. فالتوحيد يعني التنزيه المطلق للذات الإلهية، وهذا يقتضي في نظرهم_ نفي الصفات، واعتبارها عين الذات، وقد دفعهم هذا الرأي إلى تأويل الآيات القرآنية التي تفيد التشبه كاليد، والوجه، وأعطوها معاني مجازية، وهم بهذا المسلك أخذوا بمذهب التأويل الذي عرفناه عند الشيعة الباطنية وأصوله تعود للفلسفة اليونانية كما مرّ بنا في الفصل الثاني كما جرّهم هذا الموقف إلى نفي رؤية الله تعالى في الآخرة، والقول بخلق القرآن.
أمّا الأصل الثاني فهو العدل، وهذا يقتضي أنّ العباد خالقون لأفعالهم بقدرة استودعها الله فيهم، وبالتالي فهم مسؤولون عن أفعالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشرًا، والعدل الإلهي يقتضي ألا يتدخل الله في أفعال عباده لأنه سيحاسبهم. أمّا الأصل الثالث فهو الوعد والوعيد، يرتبط هذا المبدأ بالعدل الإلهي الذي يقتضي أن يثاب المطيع ويعاقب العاصي. أمّا الأصل الذي يميز المعتزلة عن غيرهم من الفرق الإسلامية خاصة السنة والخوارج، فهو قولهم بالمنزلة بين المنزلتين"، هذه المسألة التي طرحها الخوارج في حق مرتكب الكبيرة، حيث ذهب الخوارج والشيعة إلى تكفيره، لكن بدرجات، في حين ذهب أهل السنة (الجمهور) إلى اعتباره مؤمناً عاصيًا، وانفرد المعتزلة بالقول بأنّه ليس بمؤمن ولا بعاص بل هو في منزلة بين
المنزلتين.
11
أمّا الأصل الخامس فهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا المبدأ الذي يشترك فيه
عامة المسلمين.
وفي الأخير فإنّ وصول الاعتزال إلى بلاد المغرب الإسلامي بصفة عامة والأوسط بصفة خاصة أدّى إلى تنشيط الحياة الفكرية عند أصحاب الاتجاهات المذهبية المختلفة، وكثيرا ما
1
- بن حمدة، عبد المجيد المرجع السابق، ص 170.
288