سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٢٩٧الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3) - 6 هـ)
ومن يتميز الموقف المبدئي لأهل السنّة على اختلاف مذاهبهم، برفض الخوض في المسائل العقدية، وقد مرّ بنا في الفصل الثالث كيف أنّ أبا حنيفة النعمان، نهاه شيخه حماد عن الاشتغال بالجدل والخوض في العقائد، فقال أبو حنيفة: "راجعت نفسي، وتدبرت، فقلت: إنّ المتقدمين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعين، لم يكن ليفوتهم شيء مما ندركه نحن … ثم لم ينتصبوا فيه منازعين ولا مجادلين .... بل أمسكوا عن ذلك ونهو عنه أشدّ النهي. سار الإمام مالك وباقي فقهاء الجمهور على نفس في رفض الخوض في الجدال المثار حول العقائد وحتى حول الفتنة الكبرى بين الصحابة، التي قال عنها عمر بن عبد العزيز: "تلك دماء طهر الله منها أيدينا، فلا نلطخ بها ألسنتنا 2.
كما رفض فقهاء الجمهور تكفير مخالفيهم من المسلمين ما لم يعطلوا شعيرة من شعائر الإسلام، لكن موقف أهل السنّة "الجمهور" الرافض للجدل لا يعني أنّه لم تكن لهم آراء عقدية، بل يعني أنّهم رأوا أن الجدل يضر بسلامة العقائد أكثر مما يفيدها.
ومن بين آرائهم قول الإمام مالك لمّا سئل عن كيفية الاستواء" فقال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ولمّا سئل عن الصفات قال: أمرها كما جاءت بلا كيف" 3.
ومن بين المواقف العقدية التي تميز بها أهل السنّة سواء في المشرق أو المغرب الإسلامي قولهم بتوحيد الخالق، وقدمه وقدم صفاته وكذا جواز رؤيته يوم القيامة من غير تشبيه ولا
تعطيل.
لكن انتشار مقولات الفرق من خوارج وشيعة ومعتزلة بين المسلمين قد دفعت أهل السنّة مكرهين للخوض في هذا الباب، للدفاع عن عقيدتهم المستمدة من الكتاب والسنّة من غير تشبيه ولا تأويل، وربّما كان الحسن البصري أول من خاض في هذا الميدان بحكم وجوده في بيئة ساد فيها الخروج والتشيع، كما وجد الإمام أبو حنيفة نفسه مكرها على الرد على مقولات الفرق في الكوفة التي بدأ الجدل فيها مبكرا مقارنة مع باقي أقاليم الدولة الإسلامية.
1
2
أبو زهرة، المرجع السابق، ص 23.
292
الريس محمد ضياء المرجع السابق، ص 81.
نفسه، نفس الصفحة.
ابن حمدة عبد المجيد المرجع السابق، ص 23
3
4